فهرس الكتاب
ثمَّ تناولت السُّورةُإِرْسَالَ الله مُوسَى - عليه السلام - إلى فِرْعَوْنَ الطَّاغِيَةِ الجَبَّارِ الَّذي ادَّعى الرُّبوبيَّةَ، وَكَيْفَأَخَذَهُ اللهُ.
ثمَّ بَعْدَ ذلك ذَكَرَ اللهُ - سبحانه - بُرْهَانًا محسوسًا ومرئيًّا دالاًّ على قدرته على البَعْثِ وإحياءِ المَوْتَى بِخَلْقِ السَّماوات والأرض، وهي أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ الإنسان.
فَبَعْدَ التَّذْكِيرِ بِخَلْقِ هذا الكون، وهذه المخلوقات، وَأَنَّهرَتَّبَهَا وَنَظَّمَهَا هذا التَّنْظِيمَ، خُتِمَتِ السُّورَةُ الكريمةُ بِبَيَانِ وَقْتِ السَّاعَةِ الَّذي اسْتَبْعَدَهُ المُشْرِكُونَ وَأَنْكَرُوهُ، وكذَّبوا بِحُدُوثِهِ، وَذُكِرَ فيها سُوءُ عَاقِبَةِ المكذِّبين، وَحُسْنُ عَاقِبَةِ المؤمنين.
قوله: {وَالنَّازِعَاتِغَرْقًا} : هي المَلائِكَةُ تَنْزِعُ أَرْوَاحَ الكفَّار بِشِدَّةٍ.
قوله: {وَالنَّاشِطَاتِنَشْطًا} : هي الملائكةُ تَقْبِضُ أَرْوَاحَ المؤمنين؛ أَيْ: تَسُلُّ أَرْوَاحَ المؤمنين بكلِّ سُهُولَةٍ وَيُسْرٍ.
قوله: {وَالسَّابِحَاتِسَبْحًا} :هي الملائكةُ تَسْبَحُ في الفَضَاءِ، كالطَّيْرِ صاعدةً ونازلةً بأمر الله.
قوله: {فَالسَّابِقَاتِسَبْقًا} : هي الملائكةُ تَسْبِقُ وَتُسْرِعُ الى ما أُمِرَتْ به، ولا تُبْطِئُ عَنْهُ، ولا تتأخَّر.
قوله: {فَالْمُدَبِّرَاتِأَمْرًا} :هي الملائكةُ تُسَيِّرُ الكَوْنَ بِأَمْرِ الله وقضائه.
والمرادُ الملائكةُ الَّذين وَكَّلَهُمُ اللهُ لِتَدْبِيرِ أَمْرِ الكون؛ فهناك ملائكةٌ موكَّلون بالنَّار والجنَّة، وملائكةٌ موكَّلون بالأرواح، وملائكةٌ مُوَكَّلُونَ بالقِطْرِ، وبالنَّبات، وبأعمال العباد، وبقبض الأرواح.
على ماذا أقسم اللهُ؟ أقسم على أنَّ البَعْثَ حَقٌّ، وَمَعَ ذَلِكَ اسْتَبْعَدَهُ الكُفَّارُ، فَأَقْسَمَ اللهُ بِحَقِيقَةِ البَعْثِ، وأنَّه وَاقِعٌ لا مَحَالَةَ، وأنَّ لَهُأجلًا مَحْدُودًا لا يَعْلَمُهُ إلاَّاللهُ وَحْدَهُ.
وَمَعَ ذَلِكَ اسْتَمَرَّ الكُفَّارُ في الاستكبار، والعناد، وإنكار البعث، والسَّبَبُأنَّهُمْ يَقِيسُونَ قُدْرَتَهُمْ على قُدْرَةِ الله مِنْ جَهْلِهِمْ وَعِنَادِهِمْ.
متى يَكُونُ البَعْثُ؟ يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ، وهو النَّفْخَةُ الأُولَى مَوْتُ الخلائق.
قوله: {يَوْمَتَرْجُفُالرَّاجِفَةُ} :هنا بَيَّنَ اللهُ مَوْعِدَ القيامة، بأنَّه حينما تَهْتَزُّ الأرضُ وَتَضْطَرِبُ؛ بسبب النَّفْخَةِ الأولى، نَفْخَةِ الموت أَوِ الصَّعق؛ يموت الخلائقُ.
قوله: {تَتْبَعُهَاالرَّادِفَةُ} :هِيَ الصَّيْحَةُ الثَّانِيَةُ، نَفْخَةُ البَعْثِ والقِيَامِ والنُّشور.
ما هو حالُ النَّاس يَوْمَئِذٍ؟ قلوبُهم وَاجِفَةٌ كما فيقوله: {قُلُوبٌيَوْمَئِذٍوَاجِفَةٌ} ؛ أي: خَائِفَةً؛ {إِذِالْقُلُوبُلَدَاالْحَنَاجِرِكَاظِمِينَ} مِنْ شِدَّةِ الخَوْفِ.
قوله: {أَبْصَارُهَاخَاشِعَةٌ} : أي ذَلِيلَةً مِنْ شِدَّةِ الأَهْوَالِ.
هنا ذَكَرَالسَبَبَ الَّذي أَوْصَلَهُمْ لِهَذِهِ الحَالِ، و هو إِنْكَارَهُمْ للبَعْثِ.
قوله: {يَقُولُونَأَئِنَّالَمَرْدُودُونَفِيالْحَافِرَةِ} :يستبعدون إحياءَ الموتى في قبورهم.
قوله: {أَئِذَاكُنَّاعِظَامًانَخِرَةً} : أَيْ بَالِيَةً.
قوله: {قَالُواتِلْكَإِذًاكَرَّةٌخَاسِرَةٌ} : وكلُّه من باب السُّخْرِيَةِ والاستهزاء والاستبعاد. هنا بَيَّنَ اللهُ قُدْرَتَهُ على البعث؛ {ذَلِكَحَشْرٌعَلَيْنَايَسِيرٌ} .
قوله: {فَإِنَّمَاهِيَزَجْرَةٌوَاحِدَةٌ} : نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ؛ أَيْ: صَيْحَةً وَاحِدَةً.
قال تعالى: {ثُمَّ إذا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ الأرض إذا أَنتُمْ تَخْرُجُونَ} .
قوله: {فَإِذَاهُمْبِالسَّاهِرَةِ} : السَّاهِرَةُ هي الأَرْضُ المُسْتَوِيَةُ، وهي أَرْضُ المَحْشَرِ لَيْسَ فيها مَعْلَمٌ لأَحَدٍ؛ لا جَبَلَ، ولا شَجَرَ، ولا حَجَرَ، ولا جِدَارَ، فَيُحَاسَبُونَ عليها.
بَعْدَهَا ذَكَرَ اللهُ للمُنْكِرِينَ للبَعْثِ قِصَّةَ فِرْعَوْنَ؛ فَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الآَيَاتِ وَالعِبَرِ الشَّيْءُ الكَثِيرُ، ومع ذلك استمرُّوا في كبريائهم وتكذيبهم حتَّى أَخَذَهُمُ اللهُ.
قوله: {هَلْأتَاكَحَدِيثُمُوسَى} :فيها تَسْلِيَةٌ لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وَبَيَانُ عَاقِبَةِ المكذِّبين؛ أنَّ اللهَأَخَذَهُمْ بما حَلَّ بالأمم المكذِّبة؟