قوله: {هَلْأتَاكَحَدِيثُمُوسَى} أي: يَسْأَلُهُ عن عِلْمِهِ - صلى الله عليه وسلم - بِحَدِيثِ موسى - عليه السلام -.
قوله: {فَقُلْهَلْلَكَإِلَاأَنْتَزَكَّى} : أَلَكَ رَغْبَةٌالى أن تَتَطَهَّرَ مِنَ الشِّرْكِ إلى التَّوحيد؛ فَخَرَجَ الكَلامُ مَخْرَجَ العَرْضِ.
قوله: {وَأَهْدِيَكَإِلَارَبِّكَفَتَخْشَى} :أي: أَكُونُ دَلِيلًا لكهاديًا، وأُرْشِدُكَ إلى معرفة الله، فَتَعْرِفَهُ فَتَتَزَكَّى أَنْتَ.
{َتَخْشَى} لأنَّ الخَشْيَةَ لا تكون إلاَّ بالمعرفة، وَذِكْرُ الخَشْيَةِ لأنَّها ملاكُ الأمر؛ مَنْ خَشِيَ اللهَ، أَتَى منه كلُّ خَيْرٍ، وَمَنِ اجْتَرَأَ على الله أَتَى مِنْهُ كُلُّ شَرٍّ.
قوله: {فَأَخَذَهُاللَّهُنَكَالَالْآَخِرَةِوَالْأُولَى} :أَيْ نَكَّلَ اللهُ به نَكَالَ الآخرة والأولى.
قال ابنُ عبَّاسٍ: «نَكَالَ كَلِمَتَيْهِ؛ الآخرة، وهي قوله: {أَنَا رَبُّكُمُ الأعلى} والأولى، وهي قَوْلُهُ: {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مّنْ إله غَيْرِى} » .
وقيل: «كَانَ بَيْنَ الكَلِمَتَيْنِ أَرْبَعُونَ سَنَةً» .
ثمَّ بَعْدَ ذَلِكَ ذَكَرَ اللهُ - سبحانه - برهانًا محسوسًا ومرئيًّا ودالاًّ على قدرته على البَعْثِ وإحياء الموتى بِخَلْقِ السَّماوات والأرض، وهي أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ الإنسان.
قوله: {أَأَنْتُمْأَشَدُّخَلْقًاأَمِالسَّمَاءُبَنَاهَا} :أَيْ: يا من تُنْكِرُونَ البَعْثَ أَأَنْتُمْأَشَدُّ خَلْقًا - أي أَصْعَبُ خَلْقًا -أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا.
تُطْلَقُ السَّماء على قسمين:
1 -يقال سَمَاءٌ لكلِّ ما سما وارتفع، وسُمِّيَ السَّحَابُ سَمَاءً؛ «انظر إلى الطَّائرة في السَّماء» .
2 -ويقال: السَّمَاءُ المَبْنِيَّةُ المُحْكَمَةُ. يقولُ الله: {وَالسَّمَاءَبَنَيْنَاهَابِأَيْدٍوَإِنَّالَمُوسِعُونَ} أَيْ: بَنَيْنَاهَا بِقُوَّةٍ.
ثمَّ بَيَّنَ البِنَاءَ فقال {رَفَعَ سَمْكَهَا} : أَيِ الكَثَافَةَ وَغِلَظَهَا وارتفاعَها، وَسَمَتِ العلوَّ مديدًا رفيعًا مسيرةَ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ. {اللَّهُالَّذِيرَفَعَالسَّمَاوَاتِبِغَيْرِعَمَدٍتَرَوْنَهَا} .
قوله: {فَسَوَّاهَا} : جَعَلَهَا مُسْتَوِيَةً، لا انْخِفَاضَ فِيهَا، وَلا ارْتِفَاعَ، وَلَا شُقُوقَ.
يُقَالُ: «سَطْحٌ غَيْرُ مُسْتَوٍ» أَوْ: «سَطْحٌ فيه شُقُوقٌ» . لَكِنِ السَّمَاءُ مُسْتَوِيَةٌ، ولا فُطُورَ فيها، ولا شُقُوقَ.
فَسَوَّاهَا أَيْ: مُسْتَوِيَةً مَلْسَاءَ، وهي مخلوقٌ عَظِيمٌ؛ فليس هناك مَكَانٌ لا تُغَطِّيهِ السَّمَاءُ، وَمَعَ ذلك مع عِظَمِهَا، وَكِبَرِ حَجْمِهَا، فهي مُسْتَوِيَةٌ، وليس فيها شُقُوقٌ.
وهذا يُعْطِينَا تصورًا عن عَظَمَةَ المَخْلُوقَاتِ العُلْوِيَّةِ، وَتَبَاعُدُ ما بين أجرامها؛ فالسَّماواتُ سَبْعٌ طِبَاقٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ، و مَسَافَةُ ارتفاعها عن الأرض مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ، وَبَيْنَ كلِّ سَمَاءٍ والَّتي تليها مسافةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ.
وَسُمْكُ كُلِّ سَمَاءٍ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ، وَفَوْقَ السَّمَاءِ السَّابِعِةِ البَحْرُ، وَفَوْقَ البَحْرِ الكُرْسِيُّ، وَبَيْنَهُمَا مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ، وَعُمْقُ البَحْرِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ، وَفَوْقَ البحر العَرْشُ، واللهُ فَوْقَ العَرْشِ لا يخفى عليه شَيْءٌ من أعمال بني آدم.
وملخَّصُها السَّمَاواتُ سَبْعٌ، وبين كلِّ سَمَاءٍ فَضَاءٌ، وَفَوْقَ السَّماوات السَّبْعِ بَحْرٌ، وَفَوْقَ البَحْرِ كُرْسِيٌّ، وفوق الكرسيِّ العَرْشُ، واللهُ مُسْتَوٍ على العرش، والعرشُ لا يُقَدَّرُ بِقَدْرٍ.
واللهُ أَعْظَمُ عَظِيمٍ، واللهُأَكْبَرُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، واللهُ لا يُحِيطُ بِهِ شَيْءٌ؛ فهو بكلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ.
فاللهُ وَاسِعٌ كَبِيرٌ، وَلَوْ عَلِمَ العِبَادُ عَظَمَةَ اللهِ، لَمَا قالوا إنَّهُ حَالٌّ في مخلوقاته.
الأَرْضُ قَبْضَتُهُ، والسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بيمينه؛ فاللهُ وَاسِعٌ كَبِيرٌ.
السَّماواتُ والأَرْضُ بالنِّسْبَةِ للكرسيِّ مِثْلُ حَلْقَةٍ في صَحْرَاءَ، والكُرْسِيُّ بالنِّسْبَةِ للعرش مِثْلُ حَلْقَةٍ في صحراء، واللهُأَكْبَرُ مِنْكُلِّ شَيْءٍ، ولا يحيط به شَيْءٌ مِنْ خَلْقِهِ؛ لِعَظَمَتِهِ وَجَلالِهِ.
فاللهُ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ، مُسْتَغْنٍ عن جَمِيعِ خَلْقِهِ، وهو بكلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ.
فَمَنْ عَرَفَ اللهَ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ؛ عَظَّمَهُ حَقَّ تَعْظِيمِهِ.