فهرس الكتاب

الصفحة 369 من 581

فَجَعَلَ - سبحانه- نَظَرَهُإلى طعامه دليلًا على إخراجه منها بَعْدَ مَوْتِهِ، ثمَّ خُتِمَتِ السُّورَةُ بأنَّ لكلِّ شَيْءٍ نِهَايَةً؛ فَبَعْدَأَنْ ذَكَرَ أَمْرَ المعاش مِنَ المَآكِلِ، والمشارب، والرَّفاهية، ذَكَرَ أَمْرَ المعاد، فمتى هو؟ يَوْمَ الصَّاخَّةِ.

فَذَكَرَ حَالَ السُّعَدَاءِ، وَحَالَ الأشقياء في ذلك اليوم العصيب.

قوله: {عَبَسَوَتَوَلَّى} : {َعَبَسَ} قَطَّبَ وَجْهَهُ، وتولَّى؛ أَيْ: أَعْرَضَ.

مَنْ هُوَ العَابِسُ والمتولِّي؟ إنَّه نبيُّنا محمَّد - صلى الله عليه وسلم - وفيها تلطُّف الله - عزَّ وجلَّ - بمخاطبة النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -.

جَاءَتْ بِالغِيبَةِ {َعَبَسَ} ولم يحدَّد العَابِسُ، فَجُعِلَ الحُكْمُ للغائب؛ كَرَاهِيَةَ أَنْ يُخَاطَبَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بهذه الكلمات مُبَاشَرَةً؛ لأنَّه عِتَابٌ.

قوله: {أَنْجَاءَهُالْأَعْمَى} :هو عَبْدُ الله ابْنُأمِّ مَكْتُومٍ؛ أَتَى النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - وهو يدعو أَشْرَافَ قُرَيْشٍ إلى الإسلام، فقال: يا رسولَ الله عَلِّمْنِي ممَّا عَلَّمَكَ اللهُ، وكرَّر ذلك، وهو لا يعلم تَشَاغُلَهُ بالقوم.

فَكَرِهَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - قَطْعَهُ لكلامه، وَعَبَسَ، وَأَعْرَضَ عنه، فَنَزَلَتْ، وَعَاتَبَهُ اللهُ على ذلك.

فكان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يحبُّه ويجلُّه وَيُكْرِمُهُ بَعْدَهَا ويقول: «مَرْحَبًا بِمَنْ عَاتَبَنِي فِيهِ رَبِّي» .] أوردهالديلميفي (( الفردوس ) ) (رقم 6805) بدونسندعنأنسرضياللهعنه، لكنرواأبويعلافي (( مسنده ) )بإسنادظاهرهالصحةعنأنسرضياللهعنه [واستخلف على المدينة مرَّتين، واتَّخذه مؤذِّنًا.

قوله: {وَمَايُدْرِيكَلَعَلَّهُيَزَّكَّى} : أي لعلَّه أَنْ يَتَطَهَّرَ من ذنوبه، ذَكَرَ الفائدةَ في الإقبالِ عليه.

وقيل: «لعلَّه يُسْلِمُ» .

وفيه إذا تَعَارَضَتْ دَعْوَةُ الكافر مع دَعْوَةِ المسلم؛ فالأولى الحِرْصُ على دعوة المسلمين، وأنَّه أَوْلَى من متابعة الكفَّار، وتكرار دعوتهم، وهم لا يرغبون.

وعلى الوجه الثَّاني في التَّفسير: «يتزكَّى أَيْ: يُسْلِمُ؛ فالنَّاسُ سَوَاءٌ في الدَّعوة إلى الله، لا يفضِّلون شريفًا لِشَرَفِهِ، ولا قَرِيبًا لِقُرْبِهِ» .

قوله: {أَوْيَذَّكَّرُفَتَنْفَعَهُالذِّكْرَى} : أي: فَيَعْتَبِرَ، فَيَنْفَعَهُ الاعتبارُ والاتِّعَاظُ.

فيه دَرْسٌ عَظِيمٌ؛ ألاَّ يُفَضِّلُوا في الدَّعْوَةِ إلى الله شريفًا لِشَرَفِهِ، ولا عظيمًا لعظمته، ولا قريبًا لِقُرْبِهِ، بل يكون النَّاسُ عندهم سَوَاءً في الدَّعوة إلى الله؛ الفَقِيرُ، والغنيُّ، الكَبِيرُ، والصَّغِيرُ، القَرِيبُ، والبَعِيدُ، وأنَّه ينبغي الإقبالُ على طالب العلم المُقْبِلِ عليه الرَّاغِبِ فيه.

قوله: {أَمَّامَنِاسْتَغْنَى} : مَنِ اسْتَغْنَى عن الإسلام بماله وجاهه، أو استغنى بنفسه، واستغنى عن ربِّه، فأنت له تتعرَّض؛ رَجَاءَ أَنْ يُسْلِمَ.

قوله: {فَأَنْتَلَهُتَصَدَّى} :أي تُقْبِلُ وتتعرَّض لِمَنْ أَعْرَضَعن الحقِّ، وَتُعْرِضُ عن طالب الحقِّ.

قوله: {وَمَاعَلَيْكَأَلَّايَزَّكَّى} : أي لا حَرَجَ عليك أن لا يَزَّكَّى، أَيْ: ليس عليك شَيْءٌ إذا لم يتزكَّ، لَسْتَ مَسْئُولًا إذا لم يتزكَّ؛ {إِنْعَلَيْكَإِلَّاالْبَلَاغُ} .

كان نبيُّنا - صلى الله عليه وسلم - حريصًا على إسلام قَوْمِهِ، وكان يعلم نُفُورَهُمْ من الضُّعَفَاءِ، فَعَاتَبَهُ رَبُّهُ، وعلَّمنا منهجًا؛ أَنْ نَحْتَرِمَ الفقراء الأتقياء، ونتعامل مع النَّاس سَوَاءً.

قوله: {وَأَمَّامَنْجَاءَكَيَسْعَى} :جاء مسرعًا، حريصًا على الخي، ر طالبًا للحقِّ، وأولئك كانوا غَيْرَ مُقْبِلِينَ.

قوله: {وَهُوَيَخْشَى} : أي يَخْشَى اللهَ ويتَّقيه.

وقيل: «يَخْشَى كفَّارَ قُرَيْشٍ، وَأَذِيَّتَهُمْ له على اتِّبَاعِكَ» .

قوله: {فَأَنْتَعَنْهُتَلَهَّى} : فأنت عنه تُعْرِضُ، وتتشاغل عنه بغيره وتتغافل.

هذه قِصَّةٌ عَظِيمَةٌ فيها أنَّه يَنْبَغِي الاهتمامُ بالمسلمين، وتثبيتُ الإيمان في قلوبهم، وتعليمُهم، والاكتفاءُ بالإبلاغ للكفَّار، والحرصُ على المسلمين، وأنَّه أولَى من متابعة الكفَّار، وتكرارِ دعوتهم وهم لا يرغبون، فمن تكبَّر وأعرض فبَيِّنْ له، ثمَّ اتْرُكْهُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت