فهرس الكتاب

الصفحة 370 من 581

ولا يجوز أن نرفع نبيَّنا - صلى الله عليه وسلم - فوق منزلته؛ فهو عبدُ الله ورسولُه، كما لا يجوز أَنْ ننزِّله عن المرتبة الَّتي أعطاه اللهُ إيَّاها؛ حيث جعله أَشْرَفَ الخَلْقِ، وَقَرَنَ اسْمَهُ بِاسْمِهِ.

قوله: {كَلَّاإِنَّهَاتَذْكِرَةٌ} : «كلاَّ» كَلِمَةُ رَدْعٍ وَزَجْرٍ، والمُرَادُ لا تَفْعَلْ مِثْلَ ما فعلتَ.

قوله: {إِنَّهَاتَذْكِرَةٌ} : فيه وَجْهَانِ، أحدهما: أنَّ هذا الكلامَ المتقدِّمَ تَذْكِرَةٌ أو مَوْعِظَةٌ للنَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - والآخرُ أنَّ القرآنَ تَذْكِرَةٌ لجميع النَّاس.

قوله: {فَمَنْشَاءَذَكَرَهُ} :أي فَمَنْ شَاءَ اتَّعَظَ بالقرآن، وَتَعَلَّمَهُ، وَعَمِلَ بِهِ، ومن شاء لم يَتَّعِظْ، وليس مُجْبَرًا ولا مُكْرَهًا.

والمراد: فَمَنْ شَاءَآَمَنَ، وَمَنْ شَاءَ كَفَرَ، والمعنى: فَمَنْ شَاءَ الذِّكْرَ أَلْهَمَهُ اللهُ-تعالى- إيَّاه.

وليس المرادُ هنا بالتَّخْيِيرِ حُرِّيَّةَ العقيدة، لكن من باب التَّهديد؛ فَمَنْآَمَنَ فله الجنَّة، ومن كَفَرَ فَلَهُ النَّارُ؛ مِثْلَقَوْلِهِ: تعالى: {وَقُلِالْحَقُّمِنرَّبِّكُمْ فَمَنشَاءَفَلْيُؤْمِنوَمَنشَاءَفَلْيَكْفُرْ} ثمَّ هدَّد من كَفَرَ بعدها.

فاللهُ جَعَلَ للإنسان الخِيَارَ قَدَرًا بين أن يُؤْمِنَ وَيَكْفُرَ، أمَّا شرعًا فإنَّه لا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الكُفْرَ، وليس للإنسانِأَنْ يُخَيَّرَ شَرْعًا بين الكفر والإيمان، بل هو مَأْمُورٌ بالإيمان، وَمَفْرُوضٌ عليه الإيمان.

لَكِنْ مِنْ حَيْثُ القَدَرِ هُوَ مُخَيَّرٌ، وَلَيْسَ كما يَزْعُمُ بَعْضُ النَّاس مُسَيَّرًا مجبرًا على عَمَلِهِ؛ فَمَنْ شاء اتَّعظ، ومن شاء لم يَتَّعِظْ، والموفَّقُ مَنْ وَفَّقَهُ اللهُ؛ فالحَسَنَةُ مِنَ اللهِ، والسَّيِّئَةُ مِنْ نَفْسِكَ.

-ثانيًا: هنا ذَكَرَ اللهُ مَكَانَة القرآن، وأنَّ مَكَانَتَهُ عَظِيمَةٌ وَرَفِيعَةٌ، فَيَجِبُ الاعتناءُ والعَمَلُ به، وَمَنْ أهان القرآنَ كَفَرَ، أو ألقاه في المَزَابِلِارتدَّ، ولا يمسُّه إلاَّ طَاهِرٌ.

أَقَلُّ ما يُقَالُ مَسُّ الطُّلاَّب للقرآن بِدُونِ طَهَارَةٍ خِلافُ الأَوْلَى، والحلُّأجزاءٌ مُنْفَرِدَةٌ.

قوله: {فِيصُحُفٍمُكَرَّمَةٍ} : أي مَصُونَةً، لا مُبْتَذَلَةً، فهي مُعَظَّمَةٌ.

قيل: «إنَّهَا مَكْتُوبَةٌ في صُحُفٍ مُنْتَسِخَةٍ مِنَ اللَّوْحِ، أو هي خَبَرٌ في صُحُفٍ مُعَظَّمَةٍ عند الله؛ لكونها منه، وَبِوَاسِطَةِ رَسُولٍ كَرِيمٍ جِبْرِيلَ - عليه السلام -، وعلى رَسُولٍ كَرِيمٍ - صلى الله عليه وسلم - أيضًا» .

قوله: {مَرْفُوعَةٍ} :أي مَرْفُوعَةَ القَدْرِ والمكانة، فالرَّفْعُ حِسًّا وَمَعْنًى؛ فَحِسًّا يُرْفَعُ القُرْآَنُ، ولا يُهَانُ، وَمَعْنًى يُعْتَنَى به.

قوله: {مُطَهَّرَةٍ} :أي مطهَّرةً حِسًّا ومعنىً؛ فَحِسًّا كلُّها حَقٌّ، وليس فيها كَذِبٌ ولا بَاطِلٌ.

قوله: {بِأَيْدِيسَفَرَةٍ} :الملائكةُ الكِرَامُ سُمُّوا سَفَرَةً جَمْعَ سَفِيرٍ؛ لأنَّهم سفراءُ بين اللهِ وَبَيْنَ رُسُلِهِ في تبليغ الوحي.

الملائكةُ سُفَرَاءُ بَيْنَ الله وبين خَلْقِهِ؛ فَمَنْ يَحْمِلُ القُرْآَنَ مِنَ اللهِ إلى رُسُلِهِ إلاَّ الملائكةُ؟ أمَّا الشَّياطين فهم ساقطون حقيرون مهانون؛ «المَاهِرُ بِالقُرْآَنِ مَعَ السَّفَرَةِ الكِرَامِ البَرَرَةِ» متفق عليه. أي أنَّه يَعْمَلُ مِثْلَ عَمَلِهِمْ في كتابة القرآن وتلاوته.

قوله: {كِرَامٍ} :مكرَّمون عند الله؛ أي: كرامًا على الله، وَعِنْدَ عِبَادِهِ المؤمنين.

قوله: {بَرَرَةٍ} :أَيْأَتْقِيَاءَ لا يَعْصُونَ اللهَ ما أَمَرَهُمْ.

لمَّا بيَّن اللهُ في هذه الآيات السَّابقة مَكَانَةَ القُرْآَنِ وَمَكَانَةَأَهْلِ الإيمان؛ فالإنسانُ إذا آَمَنَ واتَّقَى، كان مِنْأَفْضَلِ المخلوقات، وإذا لم يَهْتَدِ، كان مِنْأَخَسِّ المخلوقات، وَنَزَلَ إلى أسفل سافلين.

-ثالثًا: قوله: {قُتِلَالْإِنْسَانُمَاأَكْفَرَهُ} :ها هنا بيَّن اللهُ جُحُودَ الإنسان، وَسَبَبَ كُفْرِهِ مَعَ كَثْرَةِ النِّعَمِ عليه.

قوله: {قُتِلَالْإِنْسَانُ} :أي: لُعِنَ الإنسانُ.

ما سَبَبُ كُفْرِهِ بالله وَبِنِعَمِ الله؟ ما أَشَدَّ كُفْرَهُ بالله وَبِنِعَمِ الله عليه!

قوله: {مَاأَكْفَرَهُ} :وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا اسْتِفْهَامُ تَوْبِيخٍ؛ أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ حَمَلَهُ على الكفر؟ أو هو تَعَجُّبٌ؛ أَيْ: ما أَشَدَّ كُفْرَهُ!

قوله: {مِنْأَيِّشَيْءٍخَلَقَهُ} :مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خُلِقَ الإنسانُ حتَّى يتكبَّر ويتعظَّم عن طاعة ربِّه؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت