فيها تَحْقِيرٌ للإنسان، ثمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ الشَّيْءَ؛ فلا تُوجَدُ قُوَّةٌ، وَلا قُدْرَةٌ أَعْظَمُ من الخَلْقِ؛ فهما يدلاَّن على وجوده وقدرته.
قوله: {مِنْنُطْفَةٍخَلَقَهُ} :أَيْ مِنْ مَاءٍ يَسِيرٍ مَهِينٍ.
قوله: {فَقَدَّرَهُ} :أَعْطَاهُ سَمْعًا، وَبَصَرًا، وَلِسَانًا يُبِينُ عمَّا يَجِيشُ في صَدْرِهِ، وأعطاه يدًا، وَرِجْلًا.
اللهُ خَلَقَ كلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا؛ كلُّ شَيْءٍ في مَحَلِّهِ؛ أَيْ: قَدَّرَ خَلْقَهُ، وَقَدَّرَأَعْضَاءَهُ، وَأَعْصَابَهُ، وَعَقْلَهُ، وَعَمَلَهُ؛ شَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ، وَقَدَّرَ مُصَابَهُ، وَرِزْقَهُ.
اللهُ اعْتَنَى بهذا الإِنْسَانِ؛ ليس كالحَيَوَانَاتِ، خُلِقَتْ لِنَفْعٍ مُؤَجَّلٍ، ثمَّ ينتهي الأَمْرُ، وَمَعَ هَذِهِ العِنَايَةِ كَفَرَ الإِنْسَانُ بِرَبِّهِ الَّذي خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ.
قوله: {ثُمَّالسَّبِيلَيَسَّرَهُ} :مِنْ مَكَانٍ ضَيِّقٍ خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ.
قال ابنُ عَبَّاسٍ: «أَيْ سَهَّلَ لَهُ الخُرُوجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ» .
مُجَاهِدٌ: «يَسَّرَهُ لِطَرِيقِ الخَيْرِ والشَّرِّ؛ أي بَيَّنَ له ذلك» .
قوله: {ثُمَّأَمَاتَهُفَأَقْبَرَهُ} :ثمَّ قَبَضَ رُوحَهُ، فأماته بعد ذلك.
وَأَقْبَرَهُ: أَيْ أَمَرَ بِقَبْرِهِ صَوْنًا له وتكريمًا، أَيْ: جَعَلَهُ ذَا قَبْرٍ يُوَارَى فيه، لا كالبَهَائِمِ؛ كَرَامَةً له؛ فَإِكْرَامُ المَيِّتِ دَفْنُهُ، وهذا مِنْ عِنَايَةِ الله بالإنسان؛ سَوَاءٌ كان كافرًا أو مؤمنًا.
قوله: {كَلَّالَمَّايَقْضِمَاأَمَرَهُ} :فيها وَجْهَانِ:
-الوَجْهُ الأَوَّلُ: اللهُ خَلَقَ الإِنْسَانَ، وَكَرَّمَهُ، وَرَزَقَهُ، وَاعْتَنَى به هذه العِنَايَةَ، ومع ذلك اسْتَكْبَرَ وَتَمَرَّدَ مع أنَّه عَاقِلٌ، وَبَلَغَأَعْلَى الدَّرجات في العقل و النضج، ومع هذه العناية لم يَفْعَلْ هذا الكَافِرُ ما أَمَرَهُ اللهُ به مِنَ الإيمان.
-الوجه الثَّاني: {لَمَّا يَقْضِمَاأَمَرَهُ} «لَمَّا» حَرْفُ نَفْيٍ وانتظارٍ لِشَيْءٍ يَحْصُلُ. والمعنى أنَّ الأَمْرَ هُنَا كَوْنِيٌّ؛ لأنَّ اللهَ لايزال يَخْلُقُ، فإذا تَكَامَلَ خَلْقُ بَنِيآَدَمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ.
والمعنى: حتَّى إذا تكامل العددُ الَّذي أَرَادَهُ اللهُ مِنَ البشر، قامت السَّاعة.
واختاره ابْنُ كَثِيرٍ، وَهُوَ وَجِيهٌ.
لمَّا عدَّد نِعَمَهُ على هذا الإنسان في نفسه، وكيف خَلَقَ الإنسانَ مِنْ بِدَايَتِهِ وحتَّى نهايته، أَتْبَعَ بعد ذلك كيف خَلَقَ طَعَامَهُ، وَقِوَامَ حَيَاتِهِ، فَجَعَلَ - سبحانه- نَظَرَهُإلى طعامه دليلًا على إخراجه منها بعد موته.
قوله: {فَلْيَنْظُرِالْإِنْسَانُإِلَاطَعَامِهِ} :هنا نبَّه إلى أَمْرٍ يَغْفُلُ النَّاسُ عنه؛ قَضِيَّةِ مَعَاشِهِ. أي: فلينظر إلى طعامه الَّذي يأكله ويحيا به.
أَمَرَ بالاعتبار بالطَّعام، كيف خَلَقَهُ اللهُ بِقُدْرَتِهِ، ويسَّره برحمته، فَذَكَرَ أيضًا بدايتَه ونهايتَه.
وهي نَظِيرُ: {فَلْيَنظُرِالْإِنسَانُمِمَّخُلِقَ} شبَّه الماءَ النَّازلَ من السَّماء بماء الرَّجل الَّذي يقع في الأرحام، فالطَّعَامُ يَعُودُ للأرض، والجَسَدُ يعود للأرض، وكذلك إذا كان أَصْلُ الإنسان حقيرًا، فَطَعَامُهُ ما مَآَلُهُ؟ فَلْيَنْظُرْ إلى طَعَامِهِ إذا صار رَجِيعًا، فينظر حقارةَ الدُّنيا وخساسة نفسه.
قوله: {أَنَّاصَبَبْنَاالْمَاءَصَبًّا} :أي من السَّحاب، وهي من خصائص الرُّبوبيَّة.
قوله: {ثُمَّشَقَقْنَاالْأَرْضَشَقًّا} : أي بالنَّبات.
قوله: {فَأَنْبَتْنَافِيهَاحَبًّا} :أي حبوبًا كالبُرِّ وَنَحْوِهِ.
قوله: {وَعِنَبًاوَقَضْبًا} :العِنَبُ: هو الكَرْمُ، وسمِّي كرمًا لكثرة منافعه، وقضبًا: هو عَلَفٌ يُقْطَعُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، وهو ما يسمَّى بالبرسيم.
قوله: {وَحَدَائِقَغُلْبًا} :أي بساتين كثيرةَ الشَّجر، وقيل: «غُلْبًا غِلاظُ الأَشْجَارِ؛ فهي قَوِيَّةٌ وَغَلِيظَةٌ» .
قوله: {وَفَاكِهَةًوَأَبًّا} :الفاكهةُ ما يُتَفَكَّهُ به. وَأَبًّا؛ العَلَفُ.