فهرس الكتاب

الصفحة 375 من 581

قوله: {وَمَاصَاحِبُكُمْبِمَجْنُونٍ} ثمَّ نَزَّهَ رَسُولَهُ البَشَرِيَّ، وَزَكَّاهُ، وَهُوَ نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ - صلى الله عليه وسلم - عمَّا يَتَّهِمُهُأَعْدَاءُهُ بالجُنُونِ، وهو من به مَسٌّ من الجنِّ، وليس فاقدَ العقل، وهم يعلمون أنَّهم كانوا كاذبين.

قوله: {وَلَقَدْرَأَىَهُبِالْأُفُقِالْمُبِينِ} أَخْبَرَ عَنْ رُؤْيَةِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - لجبريل - عليه السلام -، وَمَنْأَنْكَرَهَا كَفَرَ قَطْعًا.

أمَّا رُؤْيَةُ نبيِّنا مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - لِرَبِّهِ فَمَحَلُّ خِلافٍ، ولا يَكْفُرُ جَاحِدُهَا بالاتِّفاق.

قوله: {وَمَاهُوَعَلَاالْغَيْبِبِضَنِينٍ} أَجْمَعَ المفسِّرون أنَّ الغَيْبَ هاهنا القُرْآَنُ والوَحْيُ.

ومعنى {ضَنِين} أَيْ: بِمُتَّهَمٍ، وَقِيلَ: بِبَخِيلٍ، فَنَزَّهَ اللهُ رَسُولَهُ - صلى الله عليه وسلم - عَنِ الكِتْمَانِ وَعَنِ الزِّيَادَةِ والنُّقْصَانِ.

قوله: {وَمَاهُوَبِقَوْلِشَيْطَانٍرَجِيمٍ} أي: لَيْسَ بِتَعْلِيمِ الشَّيطان، ولا يَقْدِرُ عليه، فَزَكَّى اللهُ سَنَدَ القُرْآَنِ، فَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ.

قوله: {فَأَيْنَتَذْهَبُونَ} أي أي طريق تسلكون واين تذهبون من الله وَبَّخَ اللهُ مَنْ كَفَرَ بَعْدَ ظُهُورِ الحَقِّ، وَبَيَانِ الفَرْقِ بَيْنَ دَعْوَةِ الرُّسُلِ ودعوة الشَّياطين.

قوله: {إِنْهُوَإِلَّاذِكْرٌلِلْعَالَمِينَ} فَأَخْبَرَ - سُبْحَانَهُ - بأنَّ القُرْآَنَ ذِكْرٌ للعالمين.

وهوتنزيلُ ربِّ العالمين، نَزَلَ به الرُّوحُ الأمينُ على قلبك؛ لِتَكُونَ من المُنْذِرِينَ؛ فهو رسالةٌ مِنَ الله لكلِّ مكلَّفٍ.

وكما أَخْبَرَ نبيُّنا - صلى الله عليه وسلم - القُرْآَنُ حُجَّةٌ لَكَأَوْ عَلَيْكَ؛ فَذِكْرٌ لِعُمُومِ الخَلْقِ بقيام الحجَّة عليهم، وَذِكْرٌ للمتَّقين وَأَهْلِ الاستقامة بحصول النَّفْعِ.

خُتِمَتِ السُّورَةُ بأنَّ مَشِيئَةَ العبد مُتَعلِّقَةٌ بِمَشِيئَةِ اللهِ، وَأَنَّ مَشِيئَةَ اللهِ نَافِذَةٌ لا تُمَانَعُ ولا تُرَدُّ.

قوله: {لِمَنْشَاءَمِنْكُمْأَنْيَسْتَقِيمَ} رَدٌّ على الجبريَّة الَّذين يَنْفُونَ مَشِيئَةَ العَبْدِ، وأنَّهُ مَجْبُورٌ يتحرَّك بدون اختيارٍ.

قوله: {وَمَاتَشَاءُونَإِلَّاأَنْيَشَاآللَّهُرَبُّالْعَالَمِينَ} رَبُّ العَالَمِينَرَدَّ على القدريَّة القائلين بأنَّ العَبْدَ يَشَاءُ ما لا يشاءُه اللهُ.

والصَّحِيحُأنَّ للعبد مَشِيئَةً، لكنَّها لا تَخْرُجُ عن مَشِيئَةِ الله؛ فَمَا شَاءَ اللهُ كَانَ، وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ.

فَمَشِيئَةُ اللهِ نافذةٌ لا رَادَّ لها، ولا مُمَانِعَ.

فهاتان الآَيَتَانِ مُبْطِلَتَانِ لِقَوْلِ الطَّائِفَتَيْنِ، ومتضمِّنتانإثباتَ الشَّرع والقَدَرِ، وَفِعْلَ العَبْدِ، وَفِعْلَ الرَّبِّ، ولكلٍّ منهما عُبُودِيَّةٌ.

فالأولى تُوجِبُ السَّعْيَ، والطَّلَبَ والحِرْصَ على ما يُنْجِيهِمْ، كما يَحْرِصُ العَبْدُ على مَصَالِحِ دُنْيَاهُ.

والآَيَةُ الثَّانِيَةُ تُوجِبُ الاسْتِعَانَةَ، والتَّوَكُّلَ، والافْتِقَارَإلى اللهِ؛ لِيُسَهِّلَ لَهُمْ وَيُوَفِّقَهُمْ.

-الفَوَائِدُ وَالعِبَرُ وَالدُّرُوسُ:

1 -أنَّ اللهَ خَلَقَ هذا الكَوْنَ لهذا الإِنْسَانِ، وَسَخَّرَ لَهُ مَا في السَّماواتِ والأَرْضِ جَمِيعًا منه؛ مِنْ أَجْلِ القِيَامِ بِمُهِمَّةٍ عَظِيمَةٍ، ألا وهي عبادةُ الله وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ.

فَجَعَلَ السَّمَاءَ لَهُ سَقْفًا، وَالأَرْضَ له فراشًا، والجِبَالَأَوْتَادًا، والشَّمْسَ ضِيَاءً، والقَمَرَ نُورًا، والنُّجُومَ يَهْتَدِي بها؛ والأَنْعَام {وَذَلَّلْنَاهَالَهُمْفَمِنْهَارَكُوبُهُمْوَمِنْهَايَأْكُلُونَ} .

فما دامت عبادةُ الله وطاعتُه مَوْجُودةً، فالكَوْنُ مَوْجُودٌ.

فَخَلَقَ اللهُ الدُّنيا للإنسان، وَخَلَقَ الإِنْسَانَ للآَخِرَةِ، وَجَعَلَ الدُّنيا مَزْرَعَةً للآخرة.

فَمَنْآَمَنَ باللهِ، وَعَمِلَ صَالحًا، وَعَبَدَ اللهَ وَحْدَهُ؛ دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَنِ اشتغل بالدُّنيا عن الدِّين، وَنَسِيَ اللهَ، والدَّارَ الآخرةَ؛ فالنَّارُ مَوْعِدُهُ وَمَصِيرُهُ.

2 -اللهُ خَلَقَ الدُّنيا للإنسان، فإذا ذهب السَّاكِنُ، خَرِبَتِ الدَّارُ؛ لأنَّ اللهَ حَكَمَ على كلِّ مَوْجُودٍ بالزَّوال، وعلى كلِّ مُقِيمٍ بالارتحال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت