فهرس الكتاب

الصفحة 394 من 581

قوله: {وَالسَّمَاءِوَالطَّارِقِ} أَقْسَمَ اللهُ بأمرين: أقسم- سبحانه - بالسَّماء المبنيَّة، وبكلِّ ما علا، وما فيها من العجائب والمنافع للنَّاس، وهي سَقْفٌ للأرض، والأرضُ فِرَاشٌ، والنَّاسُ ينتفعون بالسَّماء، وبالنُّجوم، وما فيها من الكواكب، وهذا من نِعَمِ الله العظيمة، وهي دالَّةٌ على قدرته وعظمته.

قوله: {وَالطَّارِق} فسَّرهُ ما بَعْدَ النَّجم الثَّاقب، و هو جنسٌ يشمل جميع النُّجوم.

ومعنى «الثَّاقِبِ» أي: يثقب الظَّلامَ بنوره، فيظهر باللَّيل، ويختفي بالنَّهار، وأيضًا يضرب الشَّياطينَ ويحرقهم ويصيبهم.

المُقْسَمُ عليه: بيَّن اللهُ عِنَايَتَه بالإنسان، وَحِفْظَهُ من أعدائه، وإحصاءَ عَمَلِهِ، فأقسم أنَّه ما من نَفْسٍ إلاَّ عليها حافظٌ لبدنها، وعملها، وما تكتسب من خيرٍ وشرٍّ.

قوله: {إِنْكُلُّنَفْسٍلَمَّاعَلَيْهَاحَافِظٌ} :كلُّ شيءٍ مُسَجَّلٌ عليك. {لمَّا} إن كانت مشدَّدةً بمعنى «إلاَّ» والمعنى: ماهناك نَفْسٌ إلاَّ عليها حافظٌ.

وإن كانت مخفَّفةً فما زائدةٌ للتَّأكيد، والمعنى: إنَّ كلَّ نفسٍ لعليها حَافِظٌ يحفظها من الآفات، أو يحفظ عَمَلَهَا، وَرِزْقَهَا، وَأَجَلَهَا، فإذا استوفى ذلك مات.

وَمُخْتَصَرُ القول: الإنسانُ مَخْلُوقٌ عَظِيمٌ، وما هو بسهلٍ، وليس بِمُهْمَلٍ؛ لأنَّ عليه مسئوليَّةً، واللهُ شَرَّفَهُ وَكَلَّفَهُ، وليس مِثْلَ باقي المخلوقات، وَكَّلَ اللهُ به حَفَظَةً يحفظونه من أعدائه، وَيُحْصُونَ عَمَلَهُ.

وينبغي للإنسان أن يتأدَّب؛ فَحَوْلَهُ حَفَظَةٌ وَحَرَسٌ لا يفارقونه، ويراقبونه، ويكتبون عنه أيَّ شَيْءٍ.

ينبغي على العبد أَنْ يَعْرِفَ نَفْسَهُ، ويحترمَها، ولا يؤذي الملائكةَ، فيأكلَ الأشياءَ الكريهةَ، أو يتعرَّى من غير حاجةٍ، أو يتكلَّم أو يفعل أشياءَ قَبِيحَةً.

قوله: {فَلْيَنْظُرِالْإِنْسَانُمِمَّخُلِقَ} :هنا لَفَتَ نَظَرَ الإنسان إلى أصله، ومن أين جاء، وكيف وُجِدَ، وإلى أين ينتهي.

فَأَمَرَهُ بالنَّظر في أوَّل أمره؛ لأنَّأكثرَ النَّاس غافلٌ عن هذا، يأكل، ويشرب، ويلعب، ويلهو، ويظنُّأنَّه مُهْمَلٌ.

لإنسانُ مخلوقٌأَوْجَدَهُ اللهُ، فَمِنْ أيِّ شيءٍ خَلَقَهُ اللهُ؟

الإنسانُ الَّذي يَفْسُقُ، ويتجبَّر، ويتكبَّر، ونسي أصلَ نفسه، يسأله ربُّه من أين وُجِدَ، ومن أيِّ شيءٍ خُلِقَ؛ حتَّى يعرف قَدْرَ نَفْسِهِ، وَقَدْرَ ضَعْفِهِ.

يا مدَّعي الكبر إعجابًا بصورته *** انظر خلاك فإنَّ النَّتَنَ تثريبُ

لو فكَّر الإنسانُ فيما في بطونهم *** ما استشعر الكِبْرَ شُبَّانٌ ولا شِيبُ

يا ابْنَ التُّراب ومأكولَ التُّراب غدا *** أقصر فإنَّك مأكولٌ ومشروبُ

قوله: {خُلِقَمِنْمَاءٍدَافِقٍ} : هذا دليلٌ على ضعفه؛ خُلِقَ مِنْ مَنِيٍّ مُنْصَبٍّ بِسُرْعَةٍ في الرَّحِمِ.

وقيل: إنَّه ماءُ الرَّجل، ووصفه اللهُ بأنَّه ماءٌ مهينٌّ؛ أي: ضَعِيفَ السَّيَلانِ.

وفي آيةٍأُخْرَى: {نُطْفَةٍ} أَيْ: قَلِيلًا .. من أين هذا الماء؟ له مَصْدَرٌ خَاصٌّ.

قوله: {يَخْرُجُمِنْبَيْنِالصُّلْبِوَالتَّرَائِبِ} :الصُّلْبُ صُلْبُ الرَّجُلِ، وترائبُ المرأة أي: أعلى صَدْرِهَا.

وقيل: «من بَيْنِ صلب الرَّجل وترائبه؛ لأنَّه قال: مِنْ بَيْنِ، وأكَّده من ماءٍ دافقٍ، وهذا يدلُّ على عمق مخرج الماء؛ فيخلقَ الإنسانَ مِنْ مَائَيْنِ؛ مَاءِ الرَّجل وماء المرأة» .

يتكوَّن نطفةً، ثمَّ علقةً، ثمَّ مضغةً قطعةَ لحمٍ، ثمَّ يتشكَّل على صورة إنسانٍ، ثمَّ يُنْفَخُ فيه الرُّوحُ، فيتحرَّك في بطن أمِّه، ثمَّ يعيش في هذه الحياة، حتَّى إذا انتهى رزقُه وعملُه، تحدَّرت عليه الملائكةُ، فَتَقْبِضَ رُوحُهُ.

قوله: {إِنَّهُعَلَارَجْعِهِلَقَادِرٌ} :فكما أنَّه قادرٌ على خَلْقِهِ من ماءٍ دافقٍ، قَادِرٌ على إعادته بعد فنائه.

إنَّ الَّذي خَلَقَ الإنسانَ من هذا الماء، لَقَادِرٌ على رَجْعِهِ إلى الحياة بعد الموت والفناء.

فَمَنْ قَدَرَ على البداءة، قادرٌ على إعادته، وإقامته مِنْ قَبْرِهِ بعد أن فني.

-متى يكون البعثُ بعد الفناء؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت