فهرس الكتاب
قوله: {يَوْمَتُبْلَاالسَّرَائِرُ} : لأنَّ الإنسانَ يُوَارِي صَدْرُهُ مافيه من الخير والشَّرِّ، ويوراي قبره جسمَه؛ فيومَ القيامة يُخْرِجُ الرَّبُّ جِسْمَهُ من قبره، وَيُخْرِجُ سِرَّهُ مِنْ صدره، فيصيرَ جسمُه بارزًا، وسرُّه باديًا على وجهه.
فالإنسانُ عنده ظاهرٌ وباطنٌ؛ فنحن ننظر إلى ظاهر الإنسان، والباطنُ عِلْمُهُ عند الله، فينبغي أَنْ نهتمَّ بكلِّ قَوْلٍنقوله، وكلِّ عملٍ نعمله؛ ماذا أردنا به.
عبَّر عن الأعمال بالسَّرائر؛ لأنَّها نتائجُها؛ فلا عَمَلَ إلاَّ بِنِيَّةٍ.
يَوْمَ تختبر وتمتحن السَّرائر، فتنكشف، وتظهر السَّرائرُ، وما يضمره الإنسانُ من نِيَّاتٍ، ومقاصد، وعزائم؛ سواءٌ كانت حسنةً أو سيِّئةً.
السَّرَائِرُ اللاَّتي يَخْفَيْنَ على النَّاس هنَّ بَوَادٍ عند الله؛ لو اطَّلع النَّاسُ على سَرِيرَةِ الواحد، وهو يُظْهِرُ من المودَّة، والمحبَّة لأخيه، وهو خلافُ ذلك.
فتصوَّر لو ظهر ما في قلبه للنَّاس، لاستحيا، فكيف واللهُ مطَّلعٌ عليها وهو لا يبالي. حذَّرنا ربُّنا من يومٍ تنكشف فيه السَّرائرُ، ويظهر ما فيه من الصِّدق، والإخلاص، والمحبَّة، والتَّعظيم لله، ويظهر ما يضادُّها من الغشِّ، والكذب، والنِّفاق، والرِّياء، والكبر، والحسد.
السَّريرةُ إذا صَلُحَتْ، صَلُحَ شَأْنُ العَبْدِ كلُّه، وإذا فَسَدَتْ، فَسَدَ شَأْنُ العبد كلُّه.
السَّريرةُ مَحَطُّ نَظَرِ الرَّبِّ، وعليها يكون القَبُولُ والرَّدُّ.
وَبِحَسَبِ صلاح السَّريرة تكون حسنُ الخاتمة وسوءُها.
وهذا ما يفسِّر لنا تفوُّقَ الصَّحابة على من بعدهم؛ بسبب ما وَقَرَ في قلوبهم، وشدَّة حبِّهم للآخرة، وزُهْدِهِمْ في الدُّنيا؛ فإنَّه لا يتحقَّق الإخلاصُ في القلب إلاَّ إذا آَمَنَ العَبْدُ باليوم الآَخِرِإيمانًا كاملًا وتامًّا، وإيمانًا تفصيليًّا، لا مُجْمَلًا.
والنَّفْسُ تُحِبُّ البُرُوزَ، والظُّهُورَ، و المَدْحَ، ولذلك يهون على الإنسان أَنْ يُضَحِّيَ بنفسه، ويلقي بها إلى التَّهلكة؛ مِنْ أَجْلِ مَدْحِ النَّاس، ويهون عليه إنفاقُ الأموال، والتَّعَبُ، ويهون عليه القتلُ من أجل المدح والثَّناء.
الإخلاصُ شَأْنُهُ عَظِيمٌ، فلا تغترَّ بنشاطك في الخير، وراجع نيَّتك، فما كان لله اتَّصل وأَثْمَرَ، وما كان لغير الله ذهب واضمحلَّ.
إنَّ الَّذين يزعمون أنَّهم يعملون للإسلام والدِّين كَثِيرٌ في كلِّ زَمَانٍ ومكانٍ، ولكن إذا رُفِعَ لِوَاءُ الإخلاص يوم القيامة، فإنَّ الَّذين يَنْضَوُونَ تَحْتَهُ قليلون.
قوله: {فَمَالَهُمِنْقُوَّةٍوَلَانَاصِرٍ} :لا يستطيع أن يدفع عذابَ الله ساعتَها.
ليس للإنسان عندما تنكشف السَّرائرُ وتظهر الفضائح من قوَّةٍ - أي حِيلَةً - مِنْ داخل نفسه يدفع بها، وليس له ناصرٌ يعينه ويدفع عنه.
هنا قَسَمٌ آخر.
قوله: {وَالسَّمَاءِذَاتِالرَّجْعِ} :أي أَقْسَمَ بالسَّماء ذات المطر؛ فتمطرُ، ثمَّ تمطر، مرَّةً بعد مرَّةٍ.
قوله: {وَالْأَرْضِذَاتِالصَّدْعِ} :أي أَقْسَمَ بالأرض ذات النَّبات؛ فلو لم يصدِّع اللهُ هذه الأرضَ، ما نبتت، انظر للصُّخور يخرج منها النَّبات كيف تتشقق؟
قوله: {إِنَّهُلَقَوْلٌفَصْلٌ} : أَقْسَمَ اللهُ بالقرآن العظيم إنَّه حَقٌّيفصل بين الحقِّ والباطل، ويفصل بين الصِّدق والكذب، ويفصل بين الجدِّ والهزل، وليس سحرًا ولا كهانةً.
قوله: {وَمَاهُوَبِالْهَزْلِ} القرآنُ كلُّه صِدْقٌ، وَحَقٌّ، وَجَدٌّ لا هَزْلَ فيه، وحقٌّ لا باطلَ فيه، ولا يتطرَّق الباطلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْه، ِ ولا مِنْ خَلْفِهِ، ولا يتطرَّق إليه زِيَادَةٌ ولا نُقْصَانٌ.
ثمَّ بيَّن حالَ الكفَّار مع القرآن ومع رسولنا - صلى الله عليه وسلم -.