فهرس الكتاب

الصفحة 444 من 581

نقصٍ إلاَّ في رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ فهي كمالٌ؛ فقد أَتَى بهذا القرآن مع أنَّه لا يقرأ، ولا يكتب؛ فلو كان يقرأ؛ لارتاب المبطلون.

إنَّه لا يعرف كِتَابَةَ اسْمِهِ، ففي صُلْحِ الحديبية لمَّا كتب كتابَ الصُّلْحِ: «هذا كتابٌ كَتَبَهُ مُحَمَّدٌ - صلى الله عليه وسلم - رسولُ اللهِ وَسُهَيْلُ بْنِ عَمْرٍو» . فقال: لو أقررتُ بأنَّك رسولُ الله ما خالفتُك، ولكنِّي أقدِّمك لفضلك، ثمَّ قال: اكتب: محمَّد بن عبد الله، فقال لي: «يَا عَلِيُّ امْحُ رَسُولَ اللهِ» .

فقال: والله لا أَمْحُوهَا. وفي روايةٍ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، لا تَسْخُو نفسي بِمَحْوِ اسْمِكَ من النُّبُوَّةِ.

فقال عليه السَّلامُ: «فَقِفْنِي عَلَيْهِ» . فَمَحَاهُ بِيَدِهِ - صلى الله عليه وسلم - ثمَّ قال: «اكْتُبْ مُحَمَّدٌ - صلَّى الله عليه وسلَّم - بْنُ عَبْدِ اللهِ» ، ثمَّ تبسَّم إليَّ فقال: «يا عَلِيُّ، أما إنَّك سَتُسْأَلُ مِثْلَهَا فَتُعْطِيَ» متفق عليه.

فَرَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - لا يَعْرِفُ كِتَابَةَ اسْمِهِ، ولذلك طَلَبَ مِنْ عَلِيٍّأَنْ يُرِيَهُ كتابتَها.

قوله: {يَتْلُو صُحُفًا مُّطَهَّرَةً} : أَيِ القرآنُ مُطَهَّرٌ من الباطل، والتَّحريف، والشَّياطين، والكَذِبِ، والزِّيَادَةِ، والنُّقْصَانِ.

قوله: {فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ} :أي أَحْكَامٌ قَيِّمَةٌ، وَجَلِيلَةٌ، وَوَاضِحَةٌ؛ لأنَّ الكِتَابَ يُطْلَقُ على عِدَّةِ مَعَانٍ، منها الحُكْمُ؛ كَتَبَ اللهُ؛ أَيْ: حَكَمَ اللهُ.

فَهِيَأَحْكَامٌ قَيِّمَةٌ، وَجَلِيَّةٌ، وَمُسْتَقِيمَةٌ لا اعْوِجَاجَ فِيهَا؛ أَخْبَارٌ صَادِقَةٌ، وأوامرُ عَادِلَةٌ تهدي إلى الحقِّ، وإلى صراطٍ مستقيمٍ.

قوله: {وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ} :وَخَصَّهُمْ هُنَا بالذِّكْرِ؛ فَلِمَعْرِفَتِهِمْ بِهِ قَبْلَ مَجِيئِهِ، واختلافهم فيه بَعْدَ مَجِيئِهِ.

متى تفرَّقوا؟ بعدما جَاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ، فلم يتفرَّقوا عن جَهْلٍ، بَلْ عَنْ بَيِّنَةٍ؛ عرفوا الرَّسول؛ فالكثيرُ منهم كَفَرَ به، والقليلُ منهم آَمَنَ، وكانت المدينةُ مَلِيئَةً باليهود، وما آَمَنَ به إلاَّ عَشَرَةٌ، مِنْهُمُ ابْنُ سلامٍ.

وفيها ذَمٌّ لليهود، وأنَّهم يقولون ويكذبون، وأنَّهم حَسَدَةٌ.

وَسَبَبُ اختلافهم وتفرُّقهم، أنَّهم يتَّبعون أهواءَهم، ولا يتَّبعون كتابَ اللهِ.

الاختلافُ مِنْ طَبِيعَةِ البَشَرِ، وقد أخبر رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بهذا؛ فَفِي الحديث: «افْتَرَقَتِ اليَهُودُ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً فَوَاحِدَةٌ فِي الجَنَّةِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ، وَافْتَرَقَتِ النَّصَارَى عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً فَوَاحِدَةٌ فِي الجَنَّةِ وَإِحْدَى وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَفْتَرِقَنَّأُمَّتِي إِلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً فَوَاحِدَةٌ فِي الجَنَّةِ وَاثْنَتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ» .

قالوا: يَا رَسُولَ الله، ما هي؟ قال: «الجَمَاعَةُ؛ يَسِيرُونَ على مَا أَنَا عليه وَأَصْحَابِي» رواه ابن ماجة، هذا الحَدِيثُ فِيهِ تَنْبِيهَاتٌ ذَكَرَهَا شَيْخُنَا الطَّحَّانُ- حَفِظَهُ اللهُ وَرَعَاهُ وَجَعَلَ أَعَالِي الفِرْدَوْسِ مَأْوَاهُ -.

-أوَّلًا: هذا الحديثُ صَحِيحٌ قَطْعًا، وَنَجْزِمُ بِذَلِكَ، وَقَدْ نَصَّأَئِمَّتُنَا على تَوَاتُرِهِ، وأقلُّ ما قيل فيه أنَّهُ حَدِيثٌ صَحِيحٌ مُسْتَفِيضٌ؛ أي: زَادَ على المشهور، وَنَقَصَ عن التَّوَاتُرِ.

وَرُوِيَ بِطُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ زَادَتْ عَنْ ثَلَاثَةٍ، وَتَرَدَّدَ العلماءُ هَلْ وَصَلَ إلى دَرَجَةِ التَّوَاتُرِ؟ فقال السُّيُوطِيُّ في «الأزهار المتناثرة» : «وَصَلَ حَدَّ التَّوَاتُرِ» .

فالخلافُ مِنْ طَبِيعَةِ البَشَرِ، ولكنَّ اللهَ نَهَانَا عَنْ الِاخْتِلافِ وَالفُرْقَةِ، وفي حالة الاختلاف الرُّجُوعُ إلى الكتاب والسُّنَّةِ.

فَمَنْ كَانَ عَلَى الدَّلِيلِ حَكَمْنَا بقوله، فالاختلافُ مَوْجُودٌ، ولكن لابُدَّ مِنَ الرُّجُوعِ إلى الكتاب والسُّنَّةِ، أَمَّا أَنْ نَتْرُكَ الكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَنَتَّبِعَ الآَرَاءَ، فهذه طَرِيقَةُ اليَهُودِ؛ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْأَرْبَابًا مِنْ دُونِ الله.

الأَمْرُ مَحْسُومٌ؛ فَعِنْدَنَا وَحْيٌ مَعْصُومٌ.

قوله: {مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ} :قيل: «هِيَ الرَّسولُ» ، وقيل: «القُرْآَنُ» ، وَكِلاهُمَا حَقٌّ وَبَيِّنَةٌ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت