فهرس الكتاب

الصفحة 483 من 581

بينما رَكْبُ الرَّسول - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، يسير بأمر الله -تعالى - بَرَكَتِ النَّاقَةُ الَّتي يركبها الرَّسولُ - صلى الله عليه وسلم - في مكانٍ قَرِيبٍ من مكَّة يسمَّى الحديبية، فقال الصَّحابةُ: خَلَأَتِ القصواءُ، خَلأتِ القَصْواءُ- اسمُ ناقة الرَّسول - صلى الله عليه وسلم - فقال - صلى الله عليه وسلم: «مَا خَلَأَتِ القَصْوَاءُ، وَمَا ذَلِكَ لَهَا بِخُلُقٍ، لَكِنْ حَبَسَهَا حَابِسُ الفِيلِ» . البخاريُّ.

وَعَلِمَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أنَّ اللهَ - تعالى - لا يريد له دخولَ مَكَّةَ، ولا الصِّدَامَ مع قريشٍ في ذلك الوقت، فقرَّر التَّفاوضَ مع قريشٍ في شأن دخول المسلمين مكَّة لزيارة البيت الحرام، وقال: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَسْأَلُونَنِي خِطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللهِ إِلاَّ أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا» البخاري. وَصَالَحَهُمْ نَبِيُّنَا - صلى الله عليه وسلم - في صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ على وضع الحرب عَشْرَ سنين.

وفي العام الثَّامن وفي آخر عُمُرِهِ فَتَحَ اللهُ عليه مكَّة، وَتَمَّ له ما أراد.

وَسَبَبُهُ أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لمَّا صالح قريشًا في الحديبية في السَّنة السَّادسة الصُّلْحَ المشهورَ، نَقَضَتْ قُرَيْشٌ العَهْدَ فغزاهم النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وخرج إليهم من المدينة بنحو عَشَرَةِ آلافِ مُقَاتِلٍ كان العبَّاسُ بْنُ عَبْدِ المطَّلب قد خرج من مكَّة قبل ذلك بأهله وعياله مسلمًا مهاجرًا إلى المدينة، فقابلوا الرَّسولَ في الطَّريق مقبلًا بجيشه على مكَّة، فأمره الرَّسولُ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ يَعُودَ معه إلى مكَّة، وَيُرْسِلَ أَهْلَهُ إلى المدينة.

وقال له الرَّسولُ - صلى الله عليه وسلم: «هِجْرَتُكَ يَا عَمُّ آَخِرُ هِجْرَةٍ، كَمَا أَنَّ نُبُوَّتِي آَخِرُ» . وفي الطَّريق إلى مكَّة لَقِيَ العبَّاسَأبو سفيان، وَحَمَلَهُ على البَغْلَةِ حتَّى أدخله على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وَطَلَبَ له الأمانَ وَأَسْلَمَأبو سفيان، فلمَّا ذَهَبَ لِيَنْصَرِفَ قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم: «يَا عَبَّاسُاحْبِسْهُ بِمَضِيقِ الوَادِي عِنْدَخَطَمَ الجَبَلِ حَتَّى تَمُرَّ بِهِ جُنُودُ اللهِ فَيَرَاهَا» رواه الطبراني؛ فلاتبقافينفسهأثارةٌلمقاومةٍ، فخرجحتَّاحَبَسَهُبِمَضِيقِالواديحيثأَمَرَهُرَسُولالله - صلى الله عليه وسلم - أَنْيَحْبِسَهُ.

وتحرَّكت كتائبُ الفتح، وكانت القبائلُ تَمُرُّ على راياتها كلَّما مرَّت قبيلةٌ سَأَلَ العبَّاسُ عنها، فيقول: مالي ولبني فلانٍ؟ حتَّى مرَّ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في كتيبةٍ فيها المهاجرون والأنصار لا يرى منهم إلاَّ الحدقَ من الحديد.

فقال: سبحانَ الله يا عبَّاسُ من هؤلاء؟ قال: هذا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في المهاجرين والأنصار.

فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: ما لأَحَدٍ بهؤلاء قِبَلٌ ولا طَاقَةٌ، واللهِ يا أبا الفضل لقد أَصْبَحَمُلْكُ ابنِ أخيك الغداةَ عظيمٌ.

فقال العبَّاسُ: يا أبا سفيانٍ إنَّها النُّبُوَّةُ.

قال: فَنَعَمْ إِذَنْ.

وقام أبو سفيان فَصَرَخَ بأعلى صَوْتِهِ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، هذا مُحَمَّدٌ - صلى الله عليه وسلم - قد جاءكم بما لا قِبَلَ لكم به؛ فَمَنْ دَخَلَ دَارَ أبي سفيانٍ فهو آَمِنٌ.

فَقَامَتْ إليه هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ فأخذت بِشَارِبِهِ فقالت: «اقْتُلُوا الحميتَ الضَّخْمَ الدَّسِمَ الأَحْمَسَ- الَّذي لا خَيْرَ عِنْدَهُ - قُبِّحَ مِنْ طَلِيعَةِ قَوْمٍ» .

فقال أبو سفيان: «وَيْلَكُمْ لا تَغُرَّنَّكُمْ هذه من أنفسكم؛ فإنَّه قد جاءكم ما لا قِبَلَ لكم به، فمن دخل دارَ أبي سفيان فهو آمنٌ» .

قالوا: قَاتَلَكَ اللهُ وَمَا تُغْنِي عنَّا دَارُكَ؟

فقال: وَمَنْ أَغْلَقَ عَلَيْهِ بَابَهُ فهو آمنٌ، ومن دخل المسجد فهو آمنٌ.

فتفرَّق النَّاسُ إلى الكعبة، وإلى دُورِهِمْ، وأغلقوا أبوابَهم، ينتظرون ما يراد بهم.

وَدَخَلَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - مَكَّةَ وهو خَافِضٌ رَأْسَهُ تواضعًا لله - عزَّ وجلَّ - حِينَ رَأَى ما أكرمه اللهُ به من الفتح، حتَّى إنَّ ذَقْنَهُ لَيَكَادُ يَمَسُّ وَاسِطَةَ الرَّحْلَ.

وَدَخَلَ وَهُوَ يقرأ سورة الفتح، وكان ذلك صُبْحَ يَوْمِ الجُمُعَةِ لِعِشْرِينَ لَيْلَةٍ خَلَتْ من رمضان سَنَةَ ثَمَانٍ مِنَ الهِجْرَةِ.

واجتمعت إليه قُرَيْشٌ في المسجد وَخَطَبَ فيهم وقال: «يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، مَا تَظُنُّونُ أَنِّي فَاعِلٌ بِكُمْ؟» قالوا: خَيْرًا. رواه ابن إسحق (و هو ضعيف) مع أنَّهم آَذَوْهُ وحاربوه، فعفا عنهم، فأسلم منهم خَلْقٌ كَثِيرٌ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت