فهرس الكتاب

الصفحة 484 من 581

وجاءت وُفُودُ العَرَبِ في العام التَّاسع، وَسُمِّيَ عَامَ الوُفُود، ِ وَدَخَلَ النَّاسُ في دين الله أفواجًا.

وكان لِفَتْحِ مَكَّةَ أَثَرٌ عَمِيقٌ في نُفُوسِ العَرَبِ، فَشَرَحَ اللهُ صَدْرَ كَثِيرٍ منهم للإسلام، وأقبلوا على الإسلام إقبالًا لم يُعْرَفْ قبل ذلك، وصاروا يدخلون في دين الله أفواجًا.

قوله: {وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا} : أَيْأَبْصَرْتَهُمْ يدخلون جماعاتٍ بعد أن كانوا يدخلون فيه أفرادًا، أو يدخل أَحَدُهُمْ مختفيًا.

وجاءت الوفودُ من كلِّ قَبِيلَةٍ، وبايعوه على الإسلام.

إذا حَصَلَتْ هذه العلامةُ ماذا يفعل؟ هل يقابل هذا الفتحَ والنَّصْرَ بالفخر والخُيَلاءِ والإعجاب، أم يقابله بالخضوع والتَّواضع والشُّكر والتَّسبيح والاستغفار؟

قوله: {فِي دِينِ اللَّهِ} :أي دِينَ الإسلام. وإضافةُ الدِّين إلى الله إِضَافَةُ تشريفٍ.

قوله: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ} : كان - صلى الله عليه وسلم - يسبِّح بحمدهدائمًا.

كان المتوقَّع أن يقال: «فاشكر الله على هذه النِّعمة واحمده عليها» فَعُلِمَأنَّ المأمورَ به من ذلك التَّسْبِيحِ بَعْدَ الفتح ودخول النَّاس في دين الله، ليس المرادُ العمل، وإنَّما بسبب نعمة الفتح، والفتحُ ليس سببًا للاستغفار.

فَفَهِمَ ابنُ عبَّاسٍأنَّ المرادَ بهدُنُوُّأَجَلِهِ وَقُرْبِهِ، وما بقي عليك إلاَّ التَّسبيحُ بحمد ربِّك والاستغفارتَوْفِيَةً وَتَرْقِيَةً.

ويؤخذ منها أنَّ خَتْمَ الأعمار، والأعمال، والمجالس، وَخَتْمَالأمور، يكون بالتَّسبيح والاستغفار.

فَمِنْ تَمَامِ نِعْمَةِ الله على عبده توفيقُه للتَّوبةِ النَّصُوحِ، ولاتكون نصوحًاإلاَّإذا كانت من جميع الذُّنوب.

فَطُوبَى لِعَبْدٍ وَجَدَ في صحيفته استغفارًا كثيرًا.

وَمِنْ ثَمَّ اجتهد نبيُّنا - صلى الله عليه وسلم - بَعْدَهَا في العبادة والاستغفار بين يَدَيْهِ؛ ليلقى رَبَّهُ طاهرًا مُطَهَّرًا من كلِّ ذَنْبٍ، فَيُقْدِمَ مَسْرُورًا راضيًا مرضيًّا عنه.

روى البخاريُّ عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: ما صلَّى النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بعد أن نزلت عليه: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ} إلاَّ يقول فيها: «سُبْحَانَكَ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي» .

وفيه عنها أيضًا: كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ في ركوعه وسجوده: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي» يَتَأوَّلُ القرآنَ. متفق عليه.

وفيه فَضِيلَةُ الاستغفار في ختام العُمُرِ والأعمال والمجالس، فَإِنْ كان خيرًا فهو طابعٌ له، وإن كان شَرًّا فهو كَفَّارَةٌ له.

فَجُعِلَ كَفَّارَةُ المَجْلِسِ له خَمْسَةُ مَوَاطِنَ:

1 -عَقِبَ مَجْلِسِ ذِكْرٍ وَلَغْوٍ: عن جبيرِ بْنِ مُطْعَمٍ - رضي الله عنه - قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَالَ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ، فَقَالَهَا فِي مَجْلِسِ ذِكْرٍ كَانَ لَهُ كَالطَّابِعِ يَطْبَعُ عَلَيْهِ، وَمَنْ قَالَهَا فِي مَجْلِسِ لَغْوٍ، كَانَتْ لَهُ كَفَّارَةً» .رواه النَّسائيُّ والطَّبرانيُّ والحاكمُ وقال: «حَدِيثٌ صَحِيحٌ على شرط مسلمٍ» . وَصَحَّحَهُ الألبانيُّ.

2 -يُقَالُ عَقِبَ مَجْلِسِ لَغَطٍ. عن أبي هريرة عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ جَلَسَ مَجْلِسًا كَثُرَ فِيهِ لَغَطُهُ فَقَالَ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ سُبْحَانَكَ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ ثُمَّ أَتُوبُ إِلَيْكَ إِلاَّ غَفَرَ اللهُ لَهُ مَا كَانَ فِي مَجْلِسِهِ» . رواه الحاكمُ وقال: «حَدِيثٌ صَحِيحٌ على شرط مسلمٍ» ، وصحَّحه الألبانيُّ.

3 -عَقِبَ الوضوء: عن أبي سعيدٍ الخِدْرِيِّ - رضي الله عنه- قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تَوَضَّأَ ثُمَّ قَالَ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ أَشْهَدُأَلاَّ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ، كُتِبَ فِي رَقٍّ ثُمَّ طُبِعَ بِطَابِعٍ، فَلَمْ يُكْسَرْ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ» . رواهالطَّبرانيُّوالبيهقيُّوالنَّسائيُّوالحاكمُ و قال: «صَحِيحٌعلاشَرْطِ مُسْلِمٍ، وَصَحَّحَهُ الألبانيُّ» .

4 -عَقِبَ الصَّلاة. عن عائشةَ - رضي اللهُ عنها - أنَّ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا جَلَسَ مَجْلِسًا أو صلَّى صلاةً، تكلَّم بكلماتٍ، فَسَأَلَتْهُ عَائِشَةُ عن الكلمات فقال: «إِنْ تَكَلَّمَ بِخَيْرٍ كَانَ طَابِعًا عَلَيْهِنَّ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَإِنْ تَكَلَّمَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت