فهرس الكتاب

الصفحة 492 من 581

ولأنَّ الشَّيَاطِينَ يَكُونُ وَقْتُ انتشارها عند أوَّلِ اللَّيْلِ عِنْدَ الغروب. ففي «البخاريِّ» و «مُسْلِمٍ» في «الصَّحيحين» من حديث جابرِ بنِ عبد الله - رضي الله عنهما - عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم: «إِذَا اسْتَجْنَحَ اللَّيْلُ أَوْ كَانَ جُنْحُ اللَّيْلِ فَكُفُّوا صِبْيَانَكُمْ؛ فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ تَنْتَشِرُ حِينَئِذٍ، فَإِذَا ذَهَبَ سَاعَةٌ مِنَ العِشَاءِ فَخَلُّوهُمْ، وَأَغْلِقْ بَابَكَ، وَاذْكُرِ اسْمَ اللهِ» .

المستعاذُ منه الثَّالِثُ: السِّحْرُ: وهي نفوسٌ شِرِّيرَةٌ وَخَبِيثَةٌ تَسْتَعِينُ بالشَّيطان وَتَعْبُدُهُ.

والسِّحْرُ: هو ما خَفِيَ وَلَطُفَ سَبَبُهُ.

عن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم: «مَنْ عَقَدَ عُقْدَةً ثُمَّ نَفَثَ فِيهَا، فَقَدْ سَحَرَ، وَمَنْ سَحَرَ فَقَدْ أَشْرَكَ، وَمَنْ تَعَلَّقَ شَيْئًا وُكِلَ إِلَيْهِ» . رواه البخاريُّ.

أَهْلُ السِّحْرِ يَأْتِي بخيطٍ، ويعقد عقدةً، ويتكلَّم عليه بالسِّحر، ومن فعل ذلك فقد أتى بعملٍ من أعمال أهل الشِّرك والسِّحر.

فَنَفْسُ السَّاحر تتكيَّف بالشَّرِّ؛ فهذه النُّفوسُ الخبيثةُ تتكيَّف بالشَّرِّ، وتنفث بريقها في عُقَدٍ، فكانت هذه الآيةُ تَعَوُّذًا بالله من شرور هذه الأنفس الخبيثة والشِّرِّيرة. والسحرأَنْوَاعٌ:

مِنْهُ سِحْرُ تَخْيِيلٍ، وَمِنْهُ مَا هو حقيقيٌّ، سِحْرُ عَطْفٍ، وَتَفْرِيقٍ، وَرَبْطٍ، وَمَرَضٍ، وَصَدٍّ.

قوله: {وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ} :النَّفَّاثاتُ: أَيِالأَرْوَاحَ والأَنْفُسَ الخبيثةَ الشِّرِّيرةَ اللاَّتي يَنْفُثْنَ.

والعقدُ: عَقْدُ الخيط حين يَسْحَرْنَ. أَيِ: السَّوَاحِرَ اللاَّئي يَسْحَرْنَ بِعُقَدٍ، وينفثون فيها، مستعينين بالشَّيطان.

نَفْسٌ خبيثةٌ، وريقٌ خبيثٌ، واستعانةٌ بالشَّيطان، وَيَحْصُلُ منه أذًى للمسحور بإذن الله الكونيِّ القدريِّالَّذي هو شَرُّ مَرَضٍ وَدَاءٍ وَضَرَرٍ على النَّاس.

قال ابنُ جَرِيرٍ: «أَيْ وَمِنْ شَرِّ السَّواحر اللاَّتي يَنْفُثْنَ في عُقَدِ الخيط حين يَرْقِينَ عليها» .

وبه قال أهلُ التَّأَوِيلِ؛ فَعَنْ مُجَاهِدٍ: «الرُّقَى في عُقَدِ الخَيْطِ» .

والسِّحْرُ نَوْعٌ من الأمراض، وقد أصيب به النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لكنه لم يتأثَّر به فيما يتعلَّق بالبلاغ والرِّسالة.

فكان السِّحْرُ في جسمه، وأطرافه، ولم يتأثَّر قلبُه وَعَقْلُهُ.

قال المفسِّرون: «كان غلامٌ من اليهود يخدم رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - فَأَتَتْ إِلَيْهِ اليهودُ، ولم يزالوا به حتَّى أخذ مُشَاطَةَ رَأْسِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وعدَّةَ أسنانٍ من مُشْطِهِ، فأعطاها اليَهُودَ، فَسَحَرُوهُ فِيهَا» .

فَقَدْ ثَبَتَ عن عائشة - رضي الله عنها - أنَّها قالت: سَحَرَ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - رَجُلٌ مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ يُقَالُ له: لُبَيْدُ بْنِ الأَعْصَمِ حتَّى كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يخيَّل إليه أنَّه كان يفعل الشَّيءَ وما يفعله، حتَّى إذا كان ذَاتَ يومٍ أو ذات ليلةٍ دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثمَّ دعا ثمَّ دعا ثمَّ قال: «يَا عَائِشَةُ، أَشَعَرْتِ أَنَّ اللهَ أَفْتَانِي فِيمَا اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ؟

فَجَاءَنِي رَجُلَانِ فَقَعَدَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي وَالآَخَرُ عِنْدَ رِجْلِي، فَقَالَ الَّذِي عِنْدَ رَأْسِي لِلَّذِي عِنْدَ رِجْلِي أَوِ الَّذِي عِنْدَ رِجْلِي لِلَّذِي عِنْدَ رَأْسِي: مَا وَجَعُ الرَّجُلِ، قَالَ: مَطْبُوبٌ، قَالَ: وَمَنْ طَبَّهُ؟ قَالَ: لُبَيْدُ بْنِ الأَعْصَمِ.

قَالَ: فِي أَيِّ شَيْءٍ؟ قَالَ: فِي مُشْطٍ وَمُشَاطَةٍ، قَالَ: وَجَفِّ طَلْعَةِ ذَكَرٍ - أَيِ: الغِشَاءَ الَّذِي يَكُونُ عَلَى الطَّلْعِ النَّخْلِ وَيُطْلَقُ على الذَّكَرِ والأنثى - قَالَ: أَيْنَ هُوَ؟ قَالَ: فِي بِئْرِ ذَرْوَانَ».

قَالت: فَأَتَاهَا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في أناسٍ من أصحابه، ثمَّ قال: «يَا عَائِشَةُ، كَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الحِنَّاءِ، وَكَأَنَّ نَخْلَهَا رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ» .قالت: فَأَمَرَ بها فَدُفِنَتْ. رواه البخاريُّ ومسلمٌ.

أمَّاقولُ عَائِشَةَ: هلاَّأَخْرَجْتَهُ للنَّاس حتَّى يروه - أَيِ السِّحْرَ - فَقَالَ «أَمَّا أَنَا فَقَدْ شَفَانِي اللهُ، وَأَكْرَهُأَنْأُثِيرَ عَلَى أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ شَرًّا» . فأخبرها بالمانع له من ذلك.

ثمَّ بَعَثَ عَلِيًّا والزُّبَيْرَ وعمَّار بن ياسرٍ فنزحوا ماءَ تِلْكَ البئر كأنَّه نقاعةُ الحنَّاء، ثمَّ رفعوا الصَّخرةَ، وأخرجوا الجفَّ، فإذا فيه مُشَاطَةُ رَأْسِهِ، وَأَسْنَانُ مُشْطِهِ، وإذا فيه وَتَرٌ مَعْقُودٌ فيه إحدى عَشْرَةَ عُقْدَةً مغروزةٌ بالإِبَرِ، فَأَنَْزَلَ اللهُ - تَعَالَى - المعوِّذتين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت