ومن أنكر وقوعَ ذلك فقد خالف الأدلَّة، وإجماع الصَّحابة، وسلف الأمَّة متشبِّثًا بِشُبَهٍ وأوهامٍ لا أساسَ لها من الصِّحَّة؛ فلا يُعَوَّلُ عليها.
وقد بَسَطَ القولَ في ذلك العلاَّمَةُ ابْنُ القَيِّمِ في كتاب «زاد المعاد» والحافظُ ابْنُ حَجَرٍ في «فتح الباري» .
وَدَلَّهُ اللهُ عَلَى مكان السِّحْرِ، وَأَرْسَلَ مَنْ أَتَاهُ بِهِ، عافاه اللهُ بالرُّقْيَةِ وكان يخيَّل إليه أنَّه وَطِئَ زوجاتِه وهو لم يطأهنَّ، أو أنَّه يقوى على وَطْئِهِنَّ حتَّى إذا جاء إحداهنَّ فَتَرَ ولم يَقْوَ على ذلك، وهذا ما أصابه - صلى الله عليه وسلم - يخيَّل إليه أنَّه أتاأَهْلَهُ، ولم يتجاوز ذلك إلى تَلَقِّي الوحي عن الله- تعالى - وعافاه اللهُ منه، ولا نَقْصَ عليه في ذلك؛ فهومرضٌ عَارِضٌ، والمرضُ يَقَعُ للأنبياء.
والسِّحْرُ يعالَج بأمرين:
-إذا عُرِفَ مَكَانُ السِّحْرِ يُتْلَفُ، وإذا لم يُعْرَفْ بالرُّقْيَةِ، بالقُرْآَنِ، المعوِّذات، والفاتحة؛ يُرْقَى بها من السِّحْرِ.
-فائدةٌ: دائمًا استعمل اسمَ الله في المدخلوالمخرج، والقيام والقعود، وعند الأكل والشُّرب، والنَّوم واليقظة، وعند كلِّ شَيْءٍ استعمل اسمَ الله، والاستعاذة بالله، ولا تغفل عن نفسك تحصِّنُها، تَسْلَمْ من الشُّرور وأصحابها.
وبالذِّكْرِ والدَّعوات تُدْفَعْ عنك؛ فان صادفتك هذه الشُّرور مكشوفًا لا وقائع لك، أثَّرت فيك، وإن صادفتك حذرًا شاكي السِّلاح، فلا منفذَ فيك للسِّهام لم تؤثِّر فيك.
أمَّا مشاهدةُ قنوات السِّحر فهي من كبائر الذُّنوب.
-الشَّرُّ الرَّابِعُ: الحَسَدُ.
ويعينُه الشَّيْطَانُ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَعِن به؛ لأنَّه نائبُه وخليفتُه.
والحاسدُ عَدُوُّ النِّعَمِ، وهو بِشَرِّ نَفْسِهِ الشِّرِّيرة وَطَبْعِهَا، وَبُغْضِهِ للمحسود يعينه الشَّيطان؛ بخلاف السَّاحر؛ فهو بعلمه، وكسبه، وشركه، واستعانته بالشَّياطين، وعبادته له.
قوله: {وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ} : فالحَسَدُ يَعُمُّ شياطينالجنِّ والإنس، والشَّيْطَانُ يقارن السَّاحر والحاسد، ويصاحبهما؛ لأنَّ كلاًّ منهما قَصْدُهُ الشَّرُّ، ولكنَّ الحاسدَ تُعِينُهُ الشَّياطينُ بلا استدعاءٍ منه؛ لأنَّ الحَاسِدَ شَبِيهٌ بالشَّيطان، وَمِنْأَتْبَاعِهِ، ويطلب ما يحبُّه الشَّيْطَانُ زَوَالَ نِعَمِ الله عنهم.
فالحاسدُ: هو الَّذي يتمنَّى زوالَ النِّعمة عن المحسود، وإبليسُ حَسَدَآَدَمَ؛ لِشَرَفِهِ وَفَضْلِهِ.
فَأَمَرَنَا بالاستعاذةِ من عين الحاسد.
ففي «مُسْلِمٍ» في رُقْيَةِ جبريل للنَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فيها: «بِاسْمِ اللهِأَرْقِيكَ، مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيكَ، وَمِنْ شَرِّ كُلِّ نَفْسٍ، أَوْ عَيْنِ حَاسِدٍ، اللهُ يَشْفِيكَ» . فهذه استعاذةٌ من شرِّ عين الحاسد.
والحسدُ شَرٌّ، وهو يأكل الحسنات كما تأكل النَّارُ الحَطَبَ.
وهو اعتراضٌ على عطاء الله، وَمُضِرٌّ بإخوانه، ولا يحصل على شيءٍ سِوَاأذيَّةِ نفسه؛ فهو في كَدَرٍ؛ لما يرى من نِعَمٍ على عباد الله.
وكان الأولاأَنْ يَسْأَلَ اللهَ مِنْ فَضْلِهِ. «لله درُّ الحسد ما أعدله! بدأ بصاحبه فأكله» .
ويدخل في الحسد العائنُ؛ وهو نوعٌ من الحسد، وهو شرُّ الحسد، والعينُ حَقٌّ، وَتَضُرُّ بإذن الله.
والعينُ لتعرفَ حَقِيقَتَهَا ليس المقصودُ بها آَلَةَ العين؛ فعينُه لاتؤثِّر بمفردها، فالأعمى قد يَعِينُ الغائبَ بالوصف.
وَمِنْ ثَمَّ قالوا: العينُ هي سُمُّ اللِّسَانِ مع تكيُّف النَّفس.
لَكِنْ عُبِّرَ بالعين؛ لأنَّها الواصفةُ؛ فَحَقِيقَةُ العين: هي أن يُطْلِقَ الإنسانُ وصفًا لشخصٍ ولا يذكر اسمَ الله، وَنَفْسُهُ قد تكيَّفتوانسمت، والشَّياطين يحضرون الوَصْفَ، ويؤذون الموصوفَ؛ فَقُوَّةُ نَفْسِالحاسد إذا تَكَيَّفَتْ وانسمت وتوجَّهت الى المحسود بكيفيَّتهاضرَّت.
ففي الحديث: «العَيْنُ حَقٌّ، وَيُحْضِرُهَا الشَّيْطَانُ، وَحَسَدُ ابْنِ آَدَمَ» . أخرجه أحمدُ.