فَهُوَ عَدُوٌّ خَفِيٌّ وباطنيٌّ، وضررُه على الدِّين؛ ولذلك أَفْرَدَ اللهُ سُورَةً كاملةً في الاستعاذة بالله من هذا العدوِّ؛ لأنَّه أَعْظَمُ عَدُوٍّ، وَخَفِيٌّ، وَشَدِيدُ العَدَاوَةِ، كما في قوله تعالى: {قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ} .
فالمعوِّذتان تصوِّر طبيعة الصِّراع بين الإنسان والشَّيطان؛ سَوَاءٌ عن طريق الشَّيطان نفسه، أو عن طريق عملائه من البَشَرِ؛ فالإنسانُ له أَعْدَاءُ في الظَّاهر، وله أَعْدَاءُ في الباطن.
فأمَّا أَعْدَاءُ الظَّاهر فهم الكفَّارُ والمنافقون، وأمَّا أعداؤه في الباطن فهو عَدُوٌّ مستور، ٌ يرانا ولا نراه، وهو الشَّيطان.
وهو يصاحبنا في كلِّ الأحوال؛ فلا يفارقُنا، فَفِي الحديث عند مُسْلِمٍ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَحْضِرُ أَحَدَكُمْ عِنْدَ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ شَأْنِهِ» .
قوله: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} : الخِطَابُ مُوَجَّهٌ للنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَأُمَّتُهُ تَبَعٌ له.
قوله: {أَعُوذُ} :أَيْأَلْتَجِئُ، وَأَتَحَصَّنُ، وَأَحْتَمِي بالله من شَرِّأعدى الأعداء.
والاستعاذةُ بالله شأنُها عَظِيمٌ؛ فَمَنِ استعاذ بالله، وَقَاهُ، وَكَفَاه، ُ وَآَوَاهُ، وَحَمَاهُ.
من استعاذ بالله من الشَّيطان، أَعَاذَهُ، ومن استعاذ بالله من شرِّ المخلوقات، أعاذه، ومن استعاذ بالله من شرِّ المرض، حماه.
«أعوذُ بِعِزَّتِكَ وقُدْرَتِكَ من شرِّ ما أَجِدُ وأُحَاذِرُ» .
واستعاذ نبيُّنا - صلى الله عليه وسلم - من المَغْرَمِ والمَأْثَمِ؛ فاستعاذ من غَلَبَةِ الدَّيْنِ؛ لأنَّه إذا غُرِمَحَدَّثَ فَكَذَبَ، وَوَعَدَ فَأُخْلَفَ.
واستعاذ من الكِبْرِ، واستعاذ من السَّحاب؛ «أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا فِيهَا» واستعاذ مِنْ شَرِّ النَّفْسِ والسَّيِّئات، واستعاذ من الأربع الَّتي في نهايةِ التَّحيَّات؛ النَّار، والقبر، وفتنةالمحيا، والمسيح الدَّجَّال.
ومن أَيْقَنَ بالاستعاذةِ، أَعَاذَهُ اللهُ مِمَّا استعاذ.
تزوَّج رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بِبِنْتِ الجون، فلمَّا دَخَلَ عَلَيْهَا قالت: أَعُوذُ بِاللهِ مِنْكَ. فَقَالَ: «لَقَدْ عُذْتِ بِمَعَاذٍ» .
و هذا ابنُ عُمَرَ لَمَّا أراد عُثْمَانُأَنْ يُعَيِّنَهُ قَاضِيًا فقال: أَعُوذُ بالله أَنْ أَكُونَ قاضيًا. قال له عثمان: «لا تُخْبِرْ بِهَا أحدًا أنَّك استعذتَ» .
و ابنُ بَازٍ ما كان يدخل مكانًاإلاَّ قَالَ: «أعوذ بكلمات الله التَّامَّةِ من شرَّ ما خَلَقَ» .
ولذلك اشتملت المعوِّذتين على الاستعادة بالله من جميع الشُّرُورِ.
قوله: {بِرَبِّ النِّاسِ} : الرَّبّ: ُ هو ربُّ العَوَالِمِ كلِّها، خَالِقُهَا وَرَازِقُهَا، وَمُحْيِيهَا، ومدبِّرُها؛ فهو يربِّي عبادَه بِنِعَمِهِ الظَّاهرة والباطنة، ويربِّيهم بالوحيِ والعلمِ النَّافع؛ فهو ربُّهم ومالكُهم وسيِّدُهم، وهذا هو معنى الرُّبوبيَّة؛ قُدْرَتُهُ التَّامَّةُ، وَرَحْمَتُهُ الواسعةُ، وَعِلْمُهُ بتفاصيل أحوالهم، وإجابة دعواتهم، وقدَّم الرُّبوبيَّة؛ لعمومها وشمولها لكلِّ مَرْبُوبٍ.
قوله: {النِّاسِ} إنَّما خصَّ النَّاسَ بالذِّكر؛ لأنَّهم المستعيذون، فيستعيذون بربِّهم؛ لأنَّه رَبُّهُمْ، وَمَالِكُهُم، وإلهُهُم؛ فلا يستعيذون بغيره.
قوله: {مَلِكِ النَّاسِ} : لله المُلْكُ المُطْلَقُ؛ فلا يشاركه أَحَدٌ في مُلْكِهِ؛ فهو الَّذي يأمرهم وينهاهم.
وَمُلْكُ النَّاسِ مُلْكٌ مَحْدُودٌ، وَقَلِيلٌ، وَضَعِيفٌ، وَهُوَ مِنْحَةٌ من الله، أمَّا المُلْكُ الشَّامِلُ المُطْلَقُ الباقي الدَّائمُ فهو لله وَحْدَهُ، ولايشاركه فيه أَحَدٌ، وَوَسَّطَ صفةَ الملك؛ لأنَّ المَلِكَ هو المتصرِّف بقوله وَأَمْرِهِ، فَقَهَرَهُمْ بِمُلْكِهِ.
قوله: {إِلَهِ النَّاسِ} الإلهُ: هو المعبودُ؛ أَيِ: الَّذي يعبدونه، وَأَخَّرَ الإلهيَّةَ لِخُصُوصِهَا؛ فهو- سبحانه -إِلَهُ مَنْ عَبَدَهُ وَوَحَّدَهُ، واستعبدهم بإلهيَّته.
والمعبودُ على قِسْمَيْنِ: مَعْبُودٌ بِحَقٍّ، وهو اللهُ، وَمَعْبُودٌ بِبَاطِلٍ، وهو ما سِوَى الله.