فهرس الكتاب

الصفحة 496 من 581

فَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ السُّورَةُ الاستعاذةَ باللهبمجموع هذه الصِّفات، فكان القُرْآَنُ افْتُتِحَ وَاخْتُتِمَ في سورتي الفاتحة والنَّاس بتوحيدالله في الألوهيَّة، والرُّبوبيَّة، والملك؛ لأنَّها أَكْمَلُ الصِّفات وَأَجْمَعُهَا؛ فهو الرَّبُّ الحقُّ، والمَلِكُ الحقُّ، والإلَهُ الحَقُّ؛ خَلَقَهُمْ بِرُبُوبِيَّتِهِ، وَقَهَرَهُمْ بِمُلْكِهِ، واستعبدهم بإلهيَّته، والاستعاذةُ لا تأتي إلاَّ بعد تعظيمِ مَنِ اسْتَعَذْتَ به.

وَمِنْ أَيِّ شَيْءٍ يَسْتَعِيذُ به العَبْدُ؟ من شرِّ الوسواس الخنَّاس.

قوله: {مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ} الوَسْوَاسُ: الإلقاءُ الخَفِيُّ في النَّفْسِ.

ويكرِّرالمُوَسْوِسُوَسْوَسَتَهُ ويتابعها؛ فالوسواسُ والخنَّاسُ وَصْفَانِ لموصوفٍ محذوفٍ وهوالشَّيطانُ؛ فَهُوَأَصْلُ الشُّرُورِ، يحبُّ للنَّاس الشَّرَّ، وَيُثَبِّطُهُمْ عن الخير.

لم يذكر الشَّيطان باسمه؛ إِنَّمَا ذُكِرَ عَمَلُهُ؛ تَكْرِيرُهُ الوَسْوَسَةَ.

وَثَنَّى بالخنَّاس؛ لأنَّه كَيْدُهُ وَفِعْلُهُ؛ يُوَسْوِسُ في قلب ابْنِآَدَمَ؛ فَإِنْأَطَاعَهُ، تَسَلَّطَ عليه، وَإِنْ عَصَاهُ، خَنَسَ، وَابْتَعَدَ، وَتَأَخَّرَ.

فإذا ذَكَرَ اللهَ، تَأَخَّرَ، وَمِنْ ثَمَّ كُلَّمَا ذُكِرَ اللهُ انْخَنَسَ، ثمَّإذا غَفَلَ العَبْدُ، عَاوَدَتْهُ الوَسْوَسَةُ.

فالعَدَاوَةُ معه قَدِيمَةٌ؛ فَهُوَ عَدُوُّأَبِينَا آَدَمَ، وَبَدَأَتْ معه العَدَاوَةُ مُنْذُ خُلِقَآَدَمُ.

وَسَبَبُ العَدَاوَةِ الكِبْرُ وَالحَسَدُ؛ فحينما خَلَقَ اللهُآَدَمَ، وَنَفَخَ فيه من رُوحِهِ، وأسجد له ملائكتَهُ، وَأَسْكَنَهُ الجَنَّةَ، وَوَجَّهَ لآَدَمَ خِطَابَيْنِ: {وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} وحذَّره من الشَّيطان؛ {إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى} .

يَقُولُ اللهُ تعالى: {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا} فخرج آَدَمُ من الجنَّةِ بسبب الشَّيطان.

ووجَّه اللهُ لِذُرِّيَّةِآَدَمَ خِطَابَيْنِأيضًا؛ {يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ} ، {إِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} .

و الآَيَاتُ والأَحَادِيثُ الدَّالَّةُ على عداوته لبني آدمأذكر ثلاثَ آَيَاتٍ فَقَطْ، وثلاثةَ أحاديث عن نبيِّنا - صلى الله عليه وسلم - في تقرير عداوة هذا العدوِّ الخبيث:

1 - {قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ} . وإنَّه يأتيهم من جميع الجهات.

2 - {وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا * لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا * وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ} .

3 - {قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا} .

وأمَّا الأحاديثُ الَّتي أذكرها فهي ثَلاثَةٌ:

1 - «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ ابْنِ آَدَمَ مَجْرَى الدَّمِ» متفق عليه.

فَيَسْكُنَ في كلِّ ذَرَّةٍ من ذرَّات جسمك، وقد وُكِّلَ بالعبد فلا يفارقَه حتَّى الممات، فإذا لَمْتُحَصِّنْ نفسَك منه؛ فالويل لك، ثمَّ الويل لك.

2 -حديث: «إِنَّ الشَّيْطَانَ قَعَدَ لابْنِ آَدَمَ بِأَطْرُقِهِ كُلِّهَا» النسائي.

3 -عن أنسٍ أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَمَّا صُوَّرَ اللهُ آَدَمَ فِي الجَنَّةِ تَرَكَهُ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَتْرُكَهُ فَجَعَلَ إِبْلِيسُ يَطِيفُ بِهِ يَنْظُرُ مَا هُوَ، فَلَمَّا رَأَىَهُ أَجْوَفَ عَرَفَ أَنَّهُ خُلِقَ خَلْقًا لَا يَتَمَالَكُ» . رواه مُسْلِمٌ.

أي: «لا يَمْلِكُ نَفْسَهُ، وَيَحْبِسُهَا عن الشَّهوات» . وقيل: «لا يَمْلِكُ دَفْعَ الوسواس عنه» ، وقيل: «لا يملك نفسَه عند الغضب» .

وعليه هذا العدوُّأَخْبَثُ الأعداء على الإطلاق؛ لأُمُورٍأَرْبَعَةٍ:

-الأَمْرُ الأوَّلُ: العَدَاوَةُ معه قَدِيمَةٌ مع أبينا آدَمَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت