فهرس الكتاب

الصفحة 497 من 581

-والأمرُ الثَّاني: المعاداةُ بيننا وبين هذا العدوِّ سببُها الدِّينُ؛ فهو يريد إضلالَ العباد، وإغواءَهم؛ ليكونوا معه في النَّار.

-والأمرُ الثَّالث: هذا العدوُّ يرانا ولا نراه، فلا يمكن مواجهتُه إلاَّ باللُّجوءإلى الله والاحتماء به.

قال ابنُ الجَزَرِيِّ:

شيطاننا المغوي عدوٌّ فاعتصم *** بالله منه والتَجِئْ وَتَعَوَّذِ

وَعَدُوُّكَ الإِنْسِيُّ دَارُ وِدَادِهِ *** تَمْلِكُهُ وادْفَعْ بالَّتى فإذا الَّذي

-والرَّابعُ: يصاحبنا في جميع الأحوال، فلا يُفَارِقَنَا.

يقولُ أَحْمَدُ بْنِ عاصمٍ الأنطاكيُّ: «أَوْجَبُ الأعداء عَلَيْكَ مجاهدتُه، والحذرُ منه، مَنْ كَانَ أَقْرَبَ إِلَيْكَ من غيره، ومن كان أخفى عليك من غيره، ومن كان أَعْظَمَ الأعداء ضَرَرًا عليك؛ فهذا العَدُوُّ أَقْرَبُ الأعداء إلينا، فهو يجري فينا مجرى الدَّم» .

وعداوته للإنسان أن يؤذيَه في بَدَنِهِ بالمَسِّ والجنون، ويؤذيه في دينه بالإغواء عن طريق الوَسْوَسَةِ في القلب، ويؤذيه في أَهْلِهِ، وَمَالِهِ، وَوَلَدِهِ، وَيُشَارِكُهُ في ذلك، ولا يَعْصِمُ من هذا كلِّه إلاَّ اللهُ.

وعن ابن عبَّاسٍ - رضي الله عنهما - قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم: «الشَّيْطَانُ جَاثِمٌ عَلَى قَلْبِ ابْنِ آَدَمَ، فَإِذَا ذَكَرَ اللهُ خَنَسَ، وَإِذَا غَفَلَ وَسْوَسَ» . رواه البخاريُّ تعليقًا.

فَإِنْ تَسَلَّطَ على بدنه، ولم يتسلَّط على دينه، فهو خيرٌ له، كما حصل لأيُّوب، والمرأة الَّتي تُصْرَعُ.

وَإِنْ تسلَّط عليه في الدِّين، فهو بالإغواء عن طريق الوسوسة.

فتعالوا لنرى هل أَطَعْنَا الشَّيْطَانَأَمْأَطَعْنَا الرَّحْمَنَ؟

فكلُّ مَعْصِيَةٍ لله طَاعَةٌ للشَّيطان، وكلُّ مُخَالَفَةٍ للكتاب والسُّنَّةِ فهي طاعةٌ للشَّيطان.

فكلُّ مَعْصِيَةٍ لله طاعةٌ للشَّيطان؛ أَكْلُ الرِّبا، وَمَنْأَسْبَلَإِزَارَهُ، وَمَنِ اسْتَمَعَ الغناءَ؛ فَكُلُّ مُخَالَفَةٍ للكتاب والسُّنَّة فهي طاعةٌ للشَّيطان، وكلُّ مَعْصِيَةٍ هي دَعْوَةٌ من الشَّيطان.

والشَّيْطَانُ يريد بك النَّارَ، وكلُّ طاعةٍ لله هي معصيةٌ للشَّيطان.

ومن هنا إِنْ صَرَعَكَ الشَّيْطَانُ في بَدَنِكَ، فَأَنْتَ شَهِيدٌ، وَإِنْ صَرَعَكَ في دينِك فَأَنْتَ طَرِيدٌ؛ فالمرأةُ الَّتي كانت تُصْرَعُ في بدنها من أهل الجنَّة، والمرأةُ الَّتي لم يَمَسَّهَا في بدنها ولكن مسَّها في دينهامِنْأَهْلِ النَّار.

ففي الحديث: «صِنْفَانِ مِنْأَهْلِ النَّارِ» رواه مسلم. وَذَكَر نِسَاءً كاسياتٍ عارياتٍ.

نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ - صلى الله عليه وسلم - محفوفٌ بعناية الله، فإذا دخل الخلاءَ، تَعَوَّذَ بالله من الشَّياطين.

ففي الحديث عن عليِّبن أبي طالبٍ- رضي الله عنه - أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «سَتْرُ مَا بَيْنَ أَعْيُنِ الجِنِّ وَعَوْرَاتِ بَنِي آَدَمَ إِذَا دَخَلَ أَحَدُهُمُ الخَلَاءَ أَنْ يَقُولَ: بِسْمِ اللهِ» . صَحَّحَهُ الألبانيُّ في «صحيح التِّرمذيِّ» .

قوله: {مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ} وَصَفَ الشَّيطانَ بِأَعْظَمِ صِفَاتِهِ، وأشدِّها خطرًا، وهي الوسوسةُ؛ فالقلبُ فَارِغٌ من الشَّرِّ، فيوسوسَإِلَيْهِ، فَأَصْلُ البَلاءِ في الوَسْوَسَةِ.

وَصَفَهُ اللهُ بِوَصْفَيْنِ:

-أنَّه وَسْوَاسٌ.

-والثَّانِيَةُ: أنَّه خَنَّاسٌ.

فالوسواسُ: هو حديثٌ خفيٌّ، يلقى في القلب مع تكراره؛ لأنَّه إِذَا فَسَدَ القَلْبُ، فَسَدَتِ الجَوَارِحُ.

وإذا وَقَعَتْ وَسْوَسَتُهُ في قلب عَبْدٍ مُؤْمِنٍ، فإنَّه لايتأثَّر بذلك، وإذا وَقَعَتْ وَسْوَسَتُهُ في قلب عَبْدٍ فَاجِرٍأَوْ فَاسِقٍ، تأثَّر به، واستجاب، فَإِنْ كان صالحًا قال: مَعَاذَ اللهِ، وإن كان فاسقًا استجاب.

والخنَّاسُ فَعَّالٌ؛ من الخُنُوسِ، وهو الاختفاءُ، والتَّأَخُّرُ، والابتعادُ؛ فالشَّيْطَانُ يُوَسْوِسُ في قلب ابْنِآَدَمَ؛ فَإِنْأَطَاعَهُ، تَسَلَّطَ عَلَيْهِ، وَإِنْ عَصَاهُ، خَنَسَ وَابْتَعَدَ وَتَأَخَّرَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت