فهرس الكتاب
رَكِبَ حِمَارَةً له، ثمَّ سَارَ نَحْوَ معسكر بني إسرائيل، فلمَّا أشرف عليهم، رَبَضَتْ بِهِ حِمَارَتُهُ فَضَرَبَهَا، حتَّى قامت فسارت غَيْرَ بَعِيدٍ وَرَبَضَتْ، فَضَرَبَهَا ضربًا أشدَّ من الأوَّل، فقامت، ثمَّ رَبَضَتْ، فضربها.
فقالت له: يا بلعامُ أَيْنَ تَذْهَبُ؟ أما ترى الملائكة أمامي تردُّني عن وجهي هذا؟ أتذهب إلى نبيِّ الله والمؤمنين تدعو عليهم؟
فلم يَنْزِعْ عَنْهَا، فضربها حتَّى سارت به، حتَّى أَشْرَفَ عليهم مِنْ رَأْسِ جَبَلِ حسبانَ.
ونظر إلى معسكر موسى وبني إسرائيل، فَأَخَذَ يدعو عليهم، فجعل لسانُه لا يطيعه إلاَّ أن يدعو لموسى وقومه، ويدعو على قوم نَفْسِهِ، فلاموه على ذلك، فاعتذر إليهم بأنَّه لا يَجْرِي على لسانه إلاَّ هذا.
وَانْدَلَعَ لِسَانُهُ حتَّى وَقَعَ على صَدْرِهِ، وقال لقومه: ذَهَبَتْ مِنِّي الآنَ الدُّنْيَا والآَخِرَةُ، ولم يَبْقَ إِلاَّ المَكْرُ والحِيلَةُ.
ثمَّ أَمَرَ قَوْمَهُ أن يزيِّنوا النِّسَاءَ ويبعثوهنَّ بالأمتعة يبعن عليهم، ويتعرَّضنَ لهم، لعلَّهم يقعون في الزِّنا، فإنَّه متى زنا رَجُلٌ منهم كُفِيتُمُوهُ، ففعلوا وزيَّنوا نساءَهم، وبعثوهنَّ إلى المعسكر.
فَمَرَّتِ امْرَأَةٌ منهم اسمُها كستي برجلٍ من عظماءِ بَنِي إسرائيل - وهو زمري بن شلوم - يقال إنَّه كان رأسَ سِبْطِ بني شمعون بن يعقوب، فدخل بها قُبَّتَهُ، فلمَّا خلا بها أرسل اللهُ الطَّاعونَ على بني إسرائيل، فَجَعَلَ يحوس فيهم.
فلمَّا بَلَغَ الخَبَرُ إلى فنحاص بن العزار بن هارون، أَخَذَ حَرْبَتَهُ وكانت من حديدٍ، فَدَخَلَ عليهما القُبَّةَ فانتظمهما جميعًا فيها، ثمَّ خَرَجَ بهما على النَّاس والحَرْبَةُ في يده، وقد اعتمد على خاصرته، وأسندها إلى لحيته، ورفعهما نحو السَّماء وجعل يقول: اللَّهمَّ هكذا تفعل بمن يعصيك، وَرُفِعَ الطَّاعُونُ.
فكان جُمْلَةُ من مات في تلك السَّاعة سَبْعِينَ ألفًا، والمقلل يقول: عشرين ألفًا، وكان فنحاصُ بِكْرَ أبيه العزار بن هارون، فلهذا يجعل بنو إسرائيل لولد فنحاص من الذَّبيحة اللِّيَّةَ والذِّراع واللِّحى، ولهم البكرُ من كلِّ أموالهم وأنفسهم.
فمات موسى وهارون قَبْلَ دُخُولِ الأرضالمقدَّسة. فَبُعِثَ يوشعُ بْنِ نون نبيًّا على بني إسرائيل.
ولمَّا عَزَمَ يُوشَعُ فَتْحَ بيت المقدس، وَعَبَّأَ قَوْمَهُ للقتال، وجهَّزهم لمحاربة الأعداء، وخرج بهم للمعركة الفاصلة لفتح بيت المقدس، وقبل خروجِه حَرِصَ على أن لا يَتْبَعَهُ في غزوته تلك إلاَّ من تفرَّغ من جميع الشَّواغل، والارتباطات الدُّنْيَوِيَّةِ الَّتي مِنْ شَأْنِهَا أن تُقْلِقَ البالَ وَتُكَدِّرَ الخاطر، وتُعِيقَ عن الجهاد والتَّضْحِيَةِ في سبيل الله.
فاستثنى من جيشه ثلاثة أصنافٍ من النَّاس: الأوَّلُ رجلٌ عَقَدَ نكاحَه على امرأةٍ ولم يدخل بها، والثَّاني: رجلٌ مشغولٌ ببناءٍ لم يُكْمِلْهُ، والثَّالِثُ: رَجُلٌ اشترى غَنَمًا أو نُوقًا حواملَ وهو ينتظر ولادَها.
فإنَّ الَّذي انشغل بهذه الأُمُورِ وتعلَّق قَلْبُهُ بها لن يكون عنده استعدادٌ لأَنْ يَثْبُتَ في أرض المعركة، ويتحمَّل تَبِعَاتِ القتال، بل ربَّما كان سببًا للفشل والهزيمة.
ثَبَتَ ذاك عند الإمام أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «غَزَا نَبِيٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ فَقَالَ لِقَوْمِهِ: لَا يَتْبَعُنِي رَجُلٌ قَدْ مَلَكَ بُضْعَ امْرَأَةٍ، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَبْنِيَ بِهَا وَلَمَّا يَبْنِ، وَلَا آَخَرُ قَدْ بَنَى بُنْيَانًا، وَلَمْ يَرْفَعْ سَقْفَهَا، وَلَا آَخَرُ قَدِ اشْتَرَى غَنَمًا أَوْ خَلِفَاتٍ وَهُوَ يَنْتَظِرُ أَوْلَادَهَا.
فَغَزَا فَدَنَا مِنَ القَرْيَةِ حِينَ صُلِّيَ العَصْرُ، أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ لِلشَّمْسِ: أَنْتِ مَأْمُورَةٌ وَأَنَا مَأْمُورٌ، اللَّهُمَّ احْبِسْهَا عَلَيْنَا، فحُبِسَتْ حَتَّى فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ، فَجَمَعَ الغَنَائِمَ، فَجَاءَتْ - يَعْنِي النَّارَ - لِتَأْكُلَهَا فَلَمْ تَطْعَمْهَا.
فَقَالَ: إِنَّ فِيكُمْ غُلُولًا، فَلْيُبَايِعْنِي مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ رَجُلٌ، فلَزِقَتْ يَدُ رَجُلٍ بِيَدِهِ، فقال: فِيكُمُ الغُلُولُ، فليُبَايِعْني قَبِيلَتُكَ، فلَزِقَتْ يَدُ رَجُلَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ بِيَدِهِ، فَقَالَ: فِيكُمُ الغُلُولُ.