فهرس الكتاب
فَجَاءُوا بِرَأْسٍ مِثْلِ رَأْسِ بَقَرَةٍ مِنَ الذَّهَبِ، فَوَضَعُوهَا، فَجَاءَتِ النَّارُ فَأَكَلَتْهَا، ثُمَّ أَحَلَّ اللهُ لَنَا الغَنَائِمَ، رَأَى ضَعْفَنَا وَعَجْزَنَا فَأَحَلَّهَا لَنَا».
-في الحديث عِدَّةُأُمُورٍ:
-أوَّلًا: استثنى مِنْ جَيْشِهِ ثَلَاثَةَ أَصْنَافٍ مِنَ النَّاس: الأوَّلُ رَجُلٌ عَقَدَ نِكَاحَهُ عَلَى امْرَأَةٍ وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا، والثَّاني: رجلٌ مشغولٌ ببناءٍ لم يُكْمِلْهُ، والثَّالثُ: رَجُلٌ اشترى غنمًا أو نوقًا حواملَ وهو ينتظر ولادَها.
فإنَّ الَّذي انشغل بهذه الأمور وتعلَّق قلبُه بها لن يكون عنده استعدادٌ لأَنْ يَثْبُتَ في أرض المعركة، ويتحمَّل تَبِعَاتِ القتال، بل ربَّما كان سببًا للفشل.
وهذا يُعْطِينَا درسًا عظيمًا أنَّ القضايا المصيريَّةَ الَّتِي يرتبط بها عِزُّ الأمَّةِ وَنَصْرُهَا ينبغي ألاَّ تُفَوَّضَ إِلاَّ لحازمٍ فارغِ القلب.
-ثانيًا: سَبَبُ طلب حبس الشَّمس:
لمَّا دنا وقتُ صلاة العصر، أو قريبًا منه، فانتهت محاصرتُه لبيت المقدس إلى يوم جمعةٍ بعد العصر، فلمَّا غربت الشَّمسُ، أو كادت تغرب، ويدخل عليهم السَّبْتُ، وكان الوقتُ المتبقي إلى الغروب لا يتَّسع للقتال، فقد يدخل عليه اللَّيْلُ قَبْلَ أن ينهي مهمَّته، واليوم يوم جمعةٍ.
وبدخول اللَّيْلِ يَحْرُمُ القتالُ على بني إسرائيل الَّذين حُرِّمَ عليهم الاعتداءُ في السَّبْتِ.
وعندها توجَّه يوشع إلى الشَّمْسِ مخاطبًا لها بقوله تعالى: إِنَّكِ مَأْمُورَةٌ وأنا مأمورٌ، ثمَّ دَعَا اللهَ - عزَّ وجلَّ - أن يَحْبِسَهَا عليهم، فأخَّر اللهُ غُرُوبَهَا، وحَبَسَهَا، حتَّى تمَّ له ما أراد، وَفَتَحَ اللهُ عليه.
وفي هذه المعجزة تُبَيِّنُ لنا جانبًا من جوانب الإعجاز الإلهيِّ، والقدرة الرَّبَّانيَّةِ وأنَّه- سبحانه - هو المتصرِّفُ في هذا الكون، وَبِيَدِهِ الملكُ والخَلْقُ والتَّدْبِيرُ، وبالتَّالي فهو المستحقُّ للعبادة وَحْدَهُ، كما أنَّها تُظْهِرُ تَأْيِيدَ الله لِرُسُلِهِ، وإعانتَه لهم على القيام بما أَوْكَلَ إليهم من مَهَامَّ.
-ثالثًا: سَبَبُ حَرْقِ الغنائم:
قد كانت الغنائمُ مُحَرَّمَةً على الأُمَمِ قَبْلَنَا، فكانت تُجْمَعُ كلُّها في نهاية المَعْرَكَةِ في مكانٍ وَاحِدٍ، ثمَّ تَنْزِلُ نَارٌ من السَّماء، فتأكلُها جميعًا، وهي عَلامَةُ قَبُولِ اللهِ لِتِلْكَ الغنائم.
فَإِنْ غَلَّأَحَدٌ مِنْهَا شَيْئًا، لم تَأْكُلْهَا النَّارُ، فَجُمِعَتِ الغنائمُ وجاءت النَّارُ فلم تَأْكُلْ منها شيئًا، فعرف نبيُّ الله يُوشَعُ أنَّ هُنَالِكَ غُلُولًا، وَأَخْبَرَ جَيْشَهُ بذلك، ثُمَّ أَمَرَ بِأَنْ يُبَايِعَهُ من كلِّ قَبِيلَةٍ رَجُلٌ، فَلَصِقَتْ يَدُهُ بيد رَجُلٍ من القبيلة الَّتي فيها الغُلولُ، فَعَرَفَ أنَّ الغالِّينَ هم من هذه القَبِيلَةِ، وَطَلَبَ أن يُبَايِعَهُ كُلُّ فَرْدٍ من أفرادِها على حِدَةٍ.
فَلَصَقَتْ يَدُهُ بِيَدِ رَجُلَيْنِ أو ثلاثةٍ، وكانوا هم أصحاب الغلول، فأمرهم بإحضارِ ما أخذوه، فجاءوا بقطعةٍ كبيرةٍ من الذَّهَبِ على شكل رَأْسِ بقرةٍ، فلمَّا وُضِعَتْ مع الغنائم جَاءَتِ النَّارُ فَأَكَلَتْهَا.
وقد مَنَّ اللهُ - عزَّ وجلَّ - على هذه الأُمَّةِ، فأحلَّ لها الغَنَائِمَ الَّتي كانت مُحَرَّمَةً على مَنْ قَبْلَهَا مِنَ الأُمَمِ، وَسَتَرَ عنها أَمْرَ الغُلُولِ، وَفَضِيحَةَ عَدَمِ القبول، وهو من خصائص أمَّة محمَّدٍ عليه الصَّلاة والسَّلام.
والمقصودُ أَنْ دخلوا بيت المقدس وخالفوا ما أُمِرُوا به قولًا وفعلًا. أَمَرَهُمُ اللهُ أن يدخلوا سُجَّدًا ومستغفرين، أُمِرُوا أن يستغفروا، وبالسُّجود شكرًا لله.
فَدَخَلُوا البابَ يَزْحُفُونَ على أَسْتَاهِهِمْ، يقولون: حبَّة في شعرةٍ، وفي روايةٍ: حِنْطَةٌ في شَعْرَةٍ.
وحاصلُه أنَّهم بدَّلوا ما أُمِرُوا به، واستهزءوا به، كما قال -تعالى - حاكيًا عنهم في سورة الأعراف وهي مكِّيَّةٌ: {وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ} [الأعراف: 161 - 162] .