فهرس الكتاب
أي: بل هم قَوْمٌ طَاغُونَ؛ أي: ضُلاَّلٌ ومعاندون؛ لأنَّ طغيانَهم هو سببُ حَمْلِهِم على ما قالوا فيك.
قوله: {أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ} .
أي: اخْتَلَقَهُ، وجاء به من عند نَفْسِهِ؛ أَيِ: القُرْآَنُ قَالَهُ مُحَمَّدٌ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ عنده.
قوله: {بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ} .
بيَّن السَّبب الَّذي حَمَلَهُم على قولهم أنَّالقرآنَ قاله محمَّدٌ - صلى الله عليه وسلم -؛ بسبب كفرهم؛ فهو الَّذي يحملهم على هذه المقالة، فردَّ اللهُ عليهم.
{فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ} .
فَمَا دَامَ قَوْلَ بَشَرٍ، وأنتم بَشَرٌ كما تزعمون، وليس كلامَ الله، فهاتوا قرآنًا مِثْلَهُ.
ومع شدَّة عداوتهم للقرآن والرَّسول - صلى الله عليه وسلم - فقد وقفوا في جميع مراحل التَّحدِّي عاجزين مبهوتين، فدلَّ على أنَّه كَلامُ الله، لا كلامُ البَشَرِ.
وتحدَّى فُصَحَاءهُمْ وبُلَغَاءَهُمْ أَنْيأْتُوا بِمِثْلِ هذا القرآن، فما استطاعوا.
فَبَقِيَ القرآنُ معجزًة قائمةً، والتَّحدِّي قائمٌ إلى قيام السَّاعة؛ هاتوا مثله، ولن يأتوا بمثله، ولو كان بعضُهم لبعضٍ ظهيرًا.
وَإِعْجَازُ القرآن راجعٌ إلى ثلاثة أشياءَ:
-الأوَّلُ: أنَّهُكلامُ الله، ولا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ البتَّةَ مِنْ كلام البَشَرِ.
-الثَّاني: أنَّإعجازَه جاء باللَّفظ والمعنى جميعًا.
-والثَّالثُ: نَظْمُ القرآن؛ جاء بهذا الشَّكل اتِّصالُ ألفاظه ومعانيه وآياته، وهو توقيفيٌّ.
قوله: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ} .
رسالةُ الأنبياء جاءت لتقرير حقِّ الله على عباده؛ وهو إفرادُه بالعبادة وحدَه، دونَ مَنْ سِوَاهُ. وهذا المَقَامُ في إثبات الرُّبوبيَّة وتوحيد الألوهيَّة الَّذي أنكروه على الرَّسول - صلى الله عليه وسلم - وهم يعبدون الأصنام، أسئلة تُثْبِتُ التَّوحيد، وتنفي حِيَلَهُمْ؛ فهم يحتالون على الحقِّ.
وإذا تبيَّن هذا:
{أم خلقوا من غير شيء} فيها إثباتُ صفة الخَلْقِ لله.
مِنَ الأدلَّة العظيمة في القرآن السَّبْرُ والتَّقسيم؛ وهي حَصْرُ الأَوْجُهِ في المسألة، وإبطالُ الاحتمالات الغير واقعةٍ، وإبقاء الاحتمال الرَّاجح.
فليس ثمَّة إلاَّ ثَلاثَةُ احتمالات:
-الأوَّلُ: أن يكونوا خَلَقُوا أنفسَهم. وهذا لا يمكن أبدًا، وهذا لا يدَّعيه أَحَدٌ.
-والثَّاني: أن يكونوا خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ، فينفيه الواقعُ؛ فهم جاءوا من مَاءٍ مَهِينٍ، ولا يُعْقَلُأن يَكُونَ هذا الخَلْقُ البديعُ في الكون وُجِدَ اتِّفاقًا بِغَيْرِ مُوجِدٍ.
-والثَّالثُ: فما بقي إلاَّ أن يكون اللهُ هو الَّذي خَلَقَهُمْ.
وكلا الأمران الأوَّل والثَّاني باطلٌ ومستحيلٌ، وبهذا يتعيَّن أنَّاللهَ - سبحانه - هو الَّذي خَلَقَهُمْ، وهو وَحْدَهُ الَّذي لا تنبغي العبادةُ ولا تَصْلُحُ إلاَّ له.
فلمَّا سَمِعَ جُبَيْرُ بْنِ مُطْعَمٍ هذه الآيات المحيِّرة والملزمة المُفْحِمَة، تحيَّر وتعجَّب من بلاغتها وإفحامها للخصوم؛ لأنَّه عربيٌّ فَصِيحٌ.
لذلك دعا اللهُ الكفَّارَ والمشركين إلى أن يخلوا بأنفسهم؛ {قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ} ؛ لأنَّ الإنسانَ إذا كان في لحظة اجتماعٍ مع النَّاس يأتيه حماسٌ، والعقليَّة الجماعيَّة تصرف عن الحقِّ؛ لأنَّه يصبح يفكِّر بعقل غيره، لكن إذا انفرد بنفسه يفكِّر بعقله.