فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 581

لذلك دعا الله الكفَّارَ إلى أن يَخْلُوا بأنفسهم، وأن يكون البرهانُ عن طريق اثنين أو فرادى.

وهذا ما حصل لأعداء الرُّسُلِ؛ إذا اجتمعوا صار لهم كلامٌ، وإذا تفرَّقوا وصاروا اثنين أو فرادى، أقرُّوا بالحقِّ، كما حَصَلَ للَّذين سَمِعُوا تلاوةَ رسول الله؛ إذا اجتمعوا أنكروا، وإذا تفرَّقوا أقرُّوا.

فمن أراد الحقَّ فلا يبحث عنه بعقليَّةٍ جماعيَّةٍ تعدُّديَّةٍ، بل بعقليَّةٍ فرديَّةٍ.

قوله: {أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ} .

أيضًا فيها إثباتُ صفة الخَلْقِ لله. إذا كانوا لم يخلقوا أنفسهم، فهل خَلَقُوا السَّماوات والأرض؟!

وهذا إنكارٌ على كفرهم بالله وهم يعلمون أنَّه هو الخالقُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ له.

ولكن ما ادَّعى أحدٌأنَّه خَلَقَ ذَرَّةً في هذا الكون؛ فقد تحدَّاهمُ الله أن يَخْلُقُوا ذبابًا ولو اجتمع له صنَّاعُ العالم، مع أنَّهم صنعوا طَائِرَاتٍ وصواريخ ومعدَّاتٍ، ولكن لم يصنعوها من العدم، بل جمعوا أدواتها.

وتحدَّاهم أن يخلقوا ذبابًا، وهو أصغر شيءٍ؛ لأنَّ هذا خَلْقُ الله، ولا يُشَارِكُهُ في هذه الصِّفة أَحَدٌ.

فإذا كان اللهُ هو الخَالِقَ وَحْدَهُ، فهو المستحقُّ للعبادة. فمن انفرد بالخَلْقِ، انفرد بالألوهيَّة، فأبطل الشِّركَ مِنْ أَصْلِهِ.

يقول اللهُ تعالى: «أَنَا وَالإِنْسُ وَالجِنُّ فِي نَبَأٍ عَظِيمٍ! أَخْلُقُ وَيُعْبَدُ غَيْرِي، وَأَرْزُقُ وَيُشْكَرُ غَيْرِي» . (موضوع ذكره الألباني في الضعيفة و قال الشيخ صالح الفوزان موضوع لكن معناه صحيح.

قوله: {بَل لَا يُوقِنُونَ} .

ذَكَرَ هنا سَبَبَ كُفْرِهِمْ؛ عَدَمَ يَقِينِهم بعذاب الله، وَوَعْدِهِ، ووعيده.

هذه الإلزاماتُ العظيمةُ الَّتي أَلْزَمَ اللهُ بها قريشًا، كلُّ هذا مِنْ أَجْلِ إقامة الحُجَّة عليهم.

قوله: {أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ} .

فيها إِثْبَاتُ صِفَةِ الرِّزق لله؛ أي: أَهُمْ يتصرَّفون في خزائن ربِّك، فيحجرون على الله في عطائه لِخَلْقِهِ؟

أمَّا خزائنُ رحمة ربِّك فلا يمنعها أحدٌ، ولا يَمْلِكُهَا أَحَدٌ سِوَاهُ أبدًا.

قوله: {أَمْ هُمُ الْمُصيْطِرُونَ} .

إثباتُ صِفَةِ القَهْرِ والمُلْكِ والتَّدبير لله؛ أي هم المتصرِّفون في الكون أم اللهُ المسيطر والمتصرِّف؟ بل هم العاجزون الضُّعفاء.

وليس الأمرُ كذلك، بل الله - عزَّ وجلَّ - هو المالكُ المتصرِّفُ الفعَّال لما يريد؛ فَنَفَى اللهُ عنهم التَّصرُّفَ في خزائنه، ونفى عنهم الهَيْمَنَةَ على الكون.

قوله: {أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ} .

فيها إثباتُ صِفَةِ العلوِّ لله.

السُّلَّمُ هو مَرْقَاةٌ إلى الأماكن العالية، والمرادُ: هل لهم مَرْقَاةٌ إلى الملأ الأعلى فيسمعوا كلامَ الله أو كلامَ الملائكة؟ هم ليسوا كذلك؛ فهم عاجزون وضعفاء.

قوله: {فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ} .

ولو قدِّر أنَّلهم سُلَّمًا يستمعون به، فليأتوا بِحُجَّةٍ ظاهرةٍ، وبَيِّنَةٍ.

فلمَّا لم يكن عندهم سُلَّمٌ وَمَرْقَاةٌ إلى الملأ الأعلى، ولا عندهم حُجَّةٌ ظَاهِرَةٌ، فليسوا على شَيْءٍ، ودلَّ على عَجْزِهِمْ، وانقطاعهم؛ فكلُّ ما جاء به رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حَقٌّ مِنْ عِنْدِ الله.

قوله: {أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ} .

ذَكَرَ صفات التَّنزيهِ لله، وَنَفَى عنه النَّقائض؛ لِكَمَالِ غِنَاهُ، وكمال قيُّوميَّته.

أنكر اللهُ عليهم قَوْلَهُمُ «الملائكةُ بَنَاتُ الله» واختاروا لأنفسهم الذُّكور على الإناث، وكلُّه كَذِبٌ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت