فهرس الكتاب
وهذا مِنأَكْبَرِ الأدلَّة على جَهْلِهِمْ، وسُوءِ أَدَبِهِمْ؛ فاللهُ الخَالِقُ للنَّوْعَيْنِ، ولا ينزِّهون الله عمَّا ينزِّهون به أنفسَهم.
اشتملت الآياتُ السَّابقةُ من قوله: {أم خلقوا من غير شيء} ... إلى: {أم له البنات ولكم البنون} على إِثْبَاتِ نَوْعَيِ التَّوْحِيدِ؛ تَوْحِيدِ الرُّبوبيَّة، وَتَوْحِيدِ الأسماء والصِّفات؛ لأنَّ نَوْعَا التَّوْحِيدِ يستلزم هذه النَّتيجة؛ أنَّه لا إِلَهَ لهم غَيْرُ اللهِ، ولا ربَّ لهم سِوَاهُ، وفيها حَثٌّ على التَّفَكُّرِ في إفراد الرُّبوبيَّة.
قوله: {أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ} .
فيها أنَّالأنبياءَ لا يأخذون على دعوتهم عوضًا.
فهل الَّذي حَمَلَهُمْ على معارضتك وتكذيبكأنَّك تطلب منهم طمعًا دنيويًّا فهم عاجزون عن دفعه؟
لكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدعوهم محتسبًا، ولا يريد منهم أجرًا، فبطلت كلُّ الشُّبُهَاتِ الَّتي يتعلَّقون بها.
قوله: {أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ} .
هل عندهم الغَيْبُ فيكتبون منه ما يريدون؟ فليس الأمرُ كَذَلِكَ، فلا يعلم من في السَّماوات والأرض الغيب إلاَّ الله.
قوله: {أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا} .
أم يريد هؤلاء بقولهم في الرَّسول والقرآن والدِّين خداع النَّاس، والمكر بالرَّسول - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه.
قوله: {فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ} .
أي: فَكَيْدُهُمْ يرجع وَبَالُهُ عليهم؛ فلا يحيق المَكْرُ السَّيِّئُ إلاَّ بِأَهْلِهِ.
قوله: {أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ} .
هل لهم إِلَهٌ غَيْرُ الله يستحقُّ العبادة؟ وهذا بَاطِلٌ؛ فليس هناك إِلَهٌ حَقٌّ غَيْرُ الله.
قوله: {سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ} .
نزَّه اللهُ نَفْسَهُ عن شِرْكِهِمْ وقولهم.
هذه هي حُجَجُ أَهْلِ الباطل وأحوالُهم وكيف استكبروا عن قبول الوَحْيِ.
قوله: {وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ} .
بيَّن اللهُ أنَّهؤلاءِ الكفَّارَ وَأَهْلَ الباطل لا تزيدهم الحُجَجُ إلاَّ عِنَادًا وَكِبْرًا؛ لأنَّهم لا يخافون الله.
فلا يتَّعظون، ولا يتذكَّرون، ولا يرجعون إلى الله.
والحاصلُ أنَّهم لا يتَّعظون، ولو رأوا العذاب بأعينهم؛ فإنَّهم يفسِّرونه بغير الحقيقة؛ لأنَّ قلوبَهم قَاسِيَةٌ.
وهذا وَاقِعٌ في وَقْتِنَا الحَاضِرِ؛ حَصَلَتْ كوارثُ وَنَكَبَاتٌ، وفسَّروها ظَوَاهِرَ كَوْنِيَّةً، ولا يتَّعظ إلاَّ أَهْلُ الإيمان؛ لأنَّهم يخافون مِنَ الله.
وفيها أنَّالكافرَ لا يتَّعظ، ولو جاءتهم كلُّآَيَةٍ، والمؤمنُ يعتبر بكلِّ آَيَةٍ.
الكفَّار الَّذين عَانَدُوا الرُّسُلَ دائمًا يطالبون بالحجَّة، ويتظاهرون أنَّهم لم يؤمنوا لأنَّه لم يَقُمْ عندَهم البرهانُ الواضحُ، وهم في الحقيقة لا يؤمنون ولو جاءتهم كلُّ آَيَةٍ.
والآيةُ الَّتي يَطْلُبُهَا الكفَّارُ تَارَةً يطلبونها تنزل على الرَّسول، وتارةً يَطْلُبُونَهَا تنزل عليهم، كما في قوله: {وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَن نُّؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ} .
والآياتُ الَّتي طَلَبَهَا الكفَّارُ قِسْمَان:
-آَيَاتٌ كَوْنِيَّةٌ، كما في هذه الآية.
-وَآَيَاتٌ في الرَّسول - صلى الله عليه وسلم -. فتحكَّموا في المُرْسَلِ، وتحكَّموا في آيات الرَّسول - صلى الله عليه وسلم -.
-فَائِدَةٌ مهمَّةٌ وَعَظِيمَةٌ:
اللهُ لم يُجِبِ الكفَّارَ فيما طلبوا، ولكن جَعَلَ هناك أَمْثِلَةً فيما طلبوا.