فهرس الكتاب
وهذا يفيد أهلَ الحقِّ في نزاعاتهم مع أهل الباطل؛ ألاَّ ينساقوا معهم في كلِّ ما يطلبونه، بل يكفي بيانُ الحقِّ بِدَلِيلِهِ.
وَقَدْ أَكْثَرَ الكفَّارُ من إيرادِ الشُّبُهَاتِ على القرآنِ، وعلى الوحدانيَّة، والمنهجُ الصَّحيحُ بَيَانُ الحَقِّ بِدَلِيلِهِ.
أمَّا الشُّبُهَاتُفيكفي ردُّ بَعْضِهَا، أمَّا الانسياقُ مَعَهُمْ في كلِّ ما يريدونه فهذا خَطَأٌ.
قوله: {فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ} .
ينبغي للمؤمن أن يَسْتَعْلِيَ بلا إلهَ إلاَّ الله؛ ولمَّا كان الغَرَضُ والهَدَفُ التَّشْوِيشَ، واتِّبَاعَ الأهواء، وليس غَرَضُهُمُ الحَقَّ. أيِ: اتركهم بَعْدَ إقامة الحجَّة عليهم.
أي: اتركهم في غَيِّهِمْ وَعِنَادِهِمْ وَكِبْرِهِمْ، واستمرَّ في دَعْوَتِكَ.
قوله: {حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ} . حتَّى يَحْصُلَ لَهُمُ الهَلاكُ، وهو يَوْمَ القيامة.
وَيَحْسُنُ في هذا المَقَامِ ذِكْرُ نَوْعَيِ الصَّعْقِ، وَوَقْتِ كُلٍّ منهما، وَسَبَبِهِ، فنقول: الصَّعْقُ نوعان:
-أحدُهما: صَعْقَةُ البَعْثِ، وَوَقْتُهُ في الدُّنيا عند فنائها، وسببه النَّفخُ في الصُّور، وَنَوْعُهُ مَوْتٌ.
والدَّليلُقوله تعالى: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فإذا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ} .
-الثَّاني: صعقة التَّجلِّي، ووقتُه في موقف القيامة، وسببه تجلِّي الله للخلائق إذا جاء لِفَصْلِ القضاء، ونوعه غِشِيٌّ.
ودليله ما في الصَّحيح عن النَّبيِّ- صلَّى الله عليه وسلَّم - أنَّه قال: «إنَّ النَّاسَ يُصْعَقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ، فَإِذَا مُوسَى آَخِذٌ بِقَائِمَةِ العَرْشِ، فَلَا أَدْرِي أَفَاقَ قَبْلِي، أَمْ جُوزِيَ بِصَعْقَةِ الطُّورِ» . متَّفقٌ عليه.
فَعُلِمَ أنَّها صَعْقَةُ فَزَعٍ، لا صَعْقَةُ مَوْتٍ، وليست صَعْقَةَ البَعْثِ؛ لأنَّ صعقةَ النَّفخ فيها مَوْتٌ، وفيها بَعْثٌ.
ولا يُسْتَثْنَى فيها موسى -عليه الصَّلاة والسَّلام- بل البَعْثُ عَامٌّ لجميع النَّاس.
قوله: {يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ} .
أي: يَوْمَ القيامة لا ينفعهم مَكْرُهُمْ وكيدُهم شيئًا. وهذا تَهْدِيدٌ وَوَعِيدٌ، وهذا يُفِيدُ القلوبَ المعانَدةَ والمُعَاتَبَةَ.
وفيه إِثْبَاتُ صِفَتَيْنِ للكفَّار: ظنِّهم أنَّهم أغنياءُ بِأَموَالِهِمْ وقوَّتهم وأبنائهم، وظنِّهم أيضًا أنَّهم سَيُنْصَرُونَ بالآَلِهَةِ.
قوله: {وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ} .
الظُّلمُ هو الشِّركُ. لهم عَذَابٌ في الدُّنيا قَبْلَ عَذَابِ يوم القيامة من القَتْلِ والسَّبْيِ، وَعَذَابُ البَرْزَخِ، وغيرُ ذلك.
قوله: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} .
نفيُ العِلْمِ رَاجِعٌ إلى شَيْئَيْنِ؛ عَدَمِ العلم بالحقِّ، والثَّاني يرجع إلى عَدَمِ العلم بِمَجِيءِ العذاب.
قوله: {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ} .
فيها أَمْرٌ بالصَّبْرِ على حُكْمِ الله الدِّينيِّ، وَصَبْرٌ على حُكْمِ الله الكَوْنِيِّ في تأخير النَّصْرِ والابتلاء؛ فالأمرُ لله مِنْ قَبْلُ، وَمِنْ بَعْدُ. والأمرُ بالصَّبر للوجوبِ.
وحقيقة الصَّبر يرجع إلى أمرين: الصَّبْرِ على حُكْمِ الله الشَّرعيِّ الدِّينيِّ، والصَّبْرِ على حُكْمِ اللهِ القَدَرِيِّ.
والصَّبْرُ هنا في هذه الآية الصَّبْرُ على حُكْمِ اللهِ الدِّينيِّ الشَّرْعِيِّ؛ فلا يُلْتَفَتُ إلى ما يشكِّك به المبطلون.
أَيِ: اصْطَبِرْ على الحقِّ حتَّى يأتيَ وَعْدُ الله. وهذا أَصْعَبُ الأَمْرَيْنِ.
وَلِذَلِكَ نَهَى اللهُ رَسُولَهُ عن الاستعجال؛ {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} .