قوله: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى} .
النَّجمُ قيل: إنَّه الثُّرَيَّا إذا سَقَطَ للغروب وَقْتَ الفجر. وهو نَجْمٌ مشهورٌ عند العرب. فأقسم بالثُّرَيَّا إذا غابت.
وقيل: «جِنْسٌ ويرادُ به عمومُ النَّجْمِ» . وقيل: «الشُّهُبُ الَّتي تَرْمِي الشَّياطين» .
{إذا هوى} قيل: «إذا غاب» . وقيل: «إذا سَقَطَ منه شِهَابٌ على الشَّياطين» . وهو قَوْلُ ابْنِ عبَّاسٍ، وهو الأَظْهَرُ.
فأقسم اللهُ بالنَّجْمِ حَامِي الوَحْيِ لأنَّهم قالواإنَّالَّذي يأتي النَّبيَّ- صلَّى الله عليه وسلَّم - من صَنِيعِ الشَّياطين، فَبَيَّنَ اللهُ أنَّالنَّجْمَيَحْرُسُ الوحيَ من أن يُؤْخَذَ.
فَبَقِيَ: على ماذا يُقْسِمُ اللهُ؟
قوله: {مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى} .
{ما ضلَّ} أي: ما جَهِلَ؛ فلا يقول بلا عِلْمٍ.
{صاحبكم} إِشَارَةٌ إلى ملازمته لهم طُوَالَ أربعين سَنَةً قبل بَعْثَتِهِ؛ فهم مطَّلعون على أحواله؛ إِشَارَةً إلى صِدْقِهِ وَأَمَانَتِهِ.
{وما غوى} ؛ أي: ما خَالَفَ الحَقَّ؛ فلم يترك العملَ بالعلم.
فنزَّه اللهُ رسولَه - صلى الله عليه وسلم - وَشَرْعَهُ عن هاتين الصِّفَتَيْنِ؛ الضَّلالَةِ، والغِوَايَةِ، فلم يُشَابِهْ أهلَ الضَّلال كالنَّصارى، وَأَهْلَ الغِوَايَةِ من اليهود ممَّن كَتَمَ الحقَّ وَعَمِلَ بِخِلافِهِ.
نَزَّهَ اللهُ رَسُولَهُ عن الجهل، وعن الباطل، وعن الهوى.
ونَفَى عنه الضَّلالَ؛ أن يكون تاه عن الحقِّ بغير عِلْمٍ، ونفى عنه الغِوَايَةَ؛ أن يكون تَرَكَ الحقَّ بعد معرفته.
فأقسم اللهُ بهذا النَّجم الَّذي يشاهدونه بأعينهم عند غروبه وَأُفُولِهِ، وَعِنْدَ رَجْمِهِ للشَّياطين أنَّمحمَّدًا - صلى الله عليه وسلم - الَّذي أرسلناه ما ضلَّ عن الحقِّ في أقواله وأفعاله.
قوله: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى} .
أي: لا يتكلَّم ولا يأمر ولا ينهى عن هوًى أو غرضٍ أو رأيٍ.
الله بَيَّنَ لنا أنَّالرَّسولَ - صلى الله عليه وسلم - بَشَرٌ، والبَشَرُ إذا نَطَقَ فقد يصيب ويخطئ، لكن رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - لا ينطق عن الهوى.
قوله: {إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} .
{إن هو} هَذِهِ للحَصْرِ؛ حَصَرَ جَمِيعَ حَالاتِهِ- صلَّى الله عليه وسلَّم - فَقَدْ يقول الشَّيْءَ عن اجتهادٍ، ولكن لا يُقَرُّ على ذلك، وَيَنْزِلُ تَصْوِيبُهُ.
أي: ما هذا القرآن إلاَّ وَحْيٌ من الله بواسطة جبريلَ.
فرسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بَشَرٌ، ولكن لا يَنْطِقُ إلاَّ عن وَحْيٍ مِنْ قُرْآَنٍ أو سُنَّةٍ، ولا يقول إلاَّ حقًّا.
وهذا يُعْطِينَا أنَّه لا يتكلَّم في دين الله إلاَّ بِعِلْمٍ؛ فعندنا هدًى، وعندنا هوًى؛ فالهُدى ما وَافَقَ الحقَّ، والهوى ما خَالَفَ الحقَّ.
ومشكلتنا مع من يفتي بغير عِلْمٍ، وهذا ضلالٌ، أو يعرف الحقَّ لكن يَمِيلُ مع أهل الباطل؛ إمَّا مجاراةً، أو يُؤْثِرُ البَاطِلَ على الحقِّ بسبب الدُّنيا، وَمِنْ ثمَّ الضَّلالُ يَحْصُلُ؛ إمَّا بِسُوءِ فَهْمٍ، أو سُوءِ قَصْدٍ.
ويؤخذ من هذه الآية حجَّة السُّنَّة؛ كم نسمع من أناسٍ يقول: لو كان هذا الامر حرامًا، لَذَكَرَهُ اللهُ في القرآن صريحًا.
والسُّؤالُ هل لابدَّ أن يكون في القرآن؟ نحن عندنا كتابٌ وسنَّةٌ؛ القرآنُ مُجْمَلٌ، والسُّنَنُ تفصِّل.
فَبَعْضُهُمْ قال: «لو كانت الأغاني حَرَامًا، لذكرها اللهُ في القرآن» . ثمَّ يقول: «هاتوا دليلًا صريحًا من القرآن» . فنقول له: هات دَلِيلًا من القرآن أنّصَلاةَ الظُّهْرَأَرْبَعٌ.