أَلَمْ يَقُلِ اللهُ: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} ؟
أَلَمْ يَقُلْ نبيُّنا محمَّدٌ - صلى الله عليه وسلم: «لَيَكُونَنأَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الحِرَ وَالحَرِيرَ والخَمْرَ وَالمَعَازِفَ» . رواه البخاري معلقًا و وصله ابن حجر في تغليق التعليق.
مَنْهَجُ أهل الضَّلال الاقتصارُ على القرآن، وإنكارُ حُجِّيَّةِ السُّنَّة مع أنَّها هي الوحيُ الثَّاني، وكلاهما مَعْصُومٌ.
ونزَّه الله- سبحانه - في هذه السُّورةَ الرَّسولين الكريمين: الملكيَّ، والبشريَّ، ونزَّه البشريَّ عن الضَّلال والغواية، والملكيُّ نَزَّهَهُ عن أن يكون شيطانًا قبيحًا ضعيفًا، بل هو قَوِيٌّ كَرِيمٌ حَسَنُ الخَلْقِ.
وهذا نَظِيرُ المَذْكُورِ في سورة التَّكوير سَوَاءٌبسواء.
قوله: {عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى} .
المعلِّم هو جبريلُ؛ فهو الواسطةُ بَيْنَهُ وبين الله، فهو تلقَّى الوحيَ مِنْ جِبْرِيلَ. وهذا فيه نَفْيٌ لِمَا ادَّعَاهُ الكفَّارُ مِنْ تلقِّي الوحي من الشَّياطين، أو من أهل الكتاب، كما قال: «إنَّما يعلِّمه بَشَرٌ» .
وَيُؤْخَذُ من هذا أنَّالعِلْمَ الَّذي نتعلَّمه أنَّه دِينٌ.
وكان ابنُ سِيرِينَ يَقُولُ: «إنَّهذا دِينُكُمْ، فانظروا عَمَّنْ تَأْخُذُونَهُ» . فلا تأخذ العلم من أَهْلِ البِدَعِ وأهل الضَّلال؛ لأنَّ اللهَ هنا زَكَّى المعلِّمَ؛ فما قاله رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - فهو حَقٌّ، فنحرص على أَخْذِ العلم عمَّن نثق به وبأمانته وديانته.
ثمَّ بَيَّنَ - سبحانه- بعد ذلك جانبًا من صفات جبريل- عليه السَّلام- الَّذي ينزل بالقرآن على النَّبيِّصلَّى الله عليه وسلَّم.
الصِّفةُ الأولى: شَدِيدُ القُوَى؛ أي: جِبْرِيلُ مَلَكٌ شَدِيدةٌ قُوَاهُ؛ وَصَفَهُ اللهُ هنا وفي سورة التَّكوير بأنَّه مَلَكٌ قَوِيٌّ؛ فلا تطيقه الشَّياطين، ولا تَقْرَبُهُ، فهو ملكٌ قويٌّ وشديدٌ وأمينٌ كَرِيمٌ.
فلا يمكن أن يفرِّط في الوحي الَّذي نَقَلَهُ إلى محمَّدٍصلَّى الله عليه وسلَّم.
{ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى} ثمَّ وَصَفَ جِبْرِيلَ - عليه السلام - بِصِفَةٍ ثَانِيَةٍ؛ ذو مِرَّةٍ؛ أي الهَيْئَةَ الحسنة؛ فهو يجمع بين القوَّة والجمال، قويٌّ وبَهِيٌّ، وجعله الله بَهِيًّا؛ لأنَّ الرَّسولَ يَدُلُّ على المُرْسَلِ.
ويَدُلُّ أيضًا على ما يَحْمِلُهُ، ولهذا في القبر يأتي العَمَلُ الصَّالحُ في صورة رَجُلٍ حَسَنِ الوَجْهِ، حَسَنِ الثِّيَابِ، طَيِّبِ الرِّيحِ، فيقول: أَبْشِرْ بالَّذي يَسُرُّكَ، هذا يَوْمُكَ الَّذي كُنْتَ تُوعَدُ. فيقول: مَنْ أَنْتَ؛ فَوَجْهُكَ الوجهُ الحَسَنُ يجئ بالخير؟ فيقول له: أنا عَمَلُكَ الصَّالحُ. رواه أحمد و النسائي و أبو داوود و ابن ماجة.
فجبريلُ قَوِيٌّ وَبَهِيٌّ ذو هَيْئَةٍ حَسَنَةٍ.
قوله: {فاستوى} .
هذا استواءُ جِبْرِيلَ بالأُفُقِ، بَيْنَ السَّمَاءِ والأرض.
قوله: {وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى} .
أي: أُفُقَ السَّمَاءِ؛ لأنَّه إذا علاجِبْرِيلُ - عليه السلام -، ظَهَرَ وَبَانَ؛ أي: ارتفع في الأفق الأعلى؛ أي السَّماء العليا فَوْقَ الأرض.
فرآه نبيُّنا - صلى الله عليه وسلم - على صورته المَلَكِيَّةِ مرَّتين؛ الأولى في بَطْحَاءِ مَكَّةَ؛ رآه في الأُفُقِ المُبِينِ وهو في الأرض.
فَعَنِ ابن عبَّاسٍ - رضي الله عنه - قال: سَأَلَ رَسُولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - جِبْرِيلَ أن يراه في صورته فقال: ادْعُ رَبَّكَ، فدعا ربَّه.
فَفِي الحديث عند مُسْلِمٍ: «رَأَيْتُهُ مُنْهَبِطًا من السَّماء سادًّا عِظَمُ خَلْقِهِ ما بين السَّمَاءِ إلى الأرض» .