فهرس الكتاب

الصفحة 7 من 581

واختلف العلماءُ في بداية حِزْبِ المُفَصَّلِ؛ فَذَكَرَ الإِمَامُ ابنُ كثيرٍ أنَّسورةَ «ق» هي أوَّلُ المفصَّل، وقيل: إنَّ أوَّلَهُ سورةُ الحجراتِ.

أمَّا سُنَّةُ القراءة في الصَّلوات الثَّلاث الجهريَّة (المغرب والعشاء والفجر) ، فقد ذَكَرَ أبو داودٍ من حديث عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ، عن أَبِيهِ، عن جَدِّهِ أنَّه قال: «مَا منَ المفصَّلِ سورةٌ صغيرةٌ ولا كبيرةٌ إلاَّ وقد سمِعتُ رسولَ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَؤمُّ الناسَ بها في اَلصَّلاةِ المَكْتُوبة» رواه أبو داوود و البيهقي.

ولذلك كان غالبًا ما يقرأ النَّبيُّ - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- بالمفصَّل؛ فكانت سُنَّةُ رَسُولِ الله يقرأ بطوال المفصَّل في الفجر.

وطُوَالِ المُفَصَّلِ: كـ «الحُجُراتِوالواقعة» إلى سورة عمَّ، ويقرأ بأواسطه في العشاء من عمَّ إلى سورة اللَّيل، ويقرأ بقصاره في المغرب من الضُّحى إلى آخِرِ القرآن.

والسَّببُ لِقِصَرِآياتِه، وسهولة أخذ المعنى منه، وما فيه من الوَعْدِ والوعيد، وَحُسْنِ وَقْعِهِ على النَّفس؛ فَحِزْبُ المفصَّل له شَأْنٌ عَظِيمٌ، وفيه التَّذكيرُ بالآخرة.

وَثَبَتأنَّهُ علَّم المسيءَ في صلاته: «ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ» . رواه البخاريُّ وَمُسْلِمٌ.

فَعَلَى هذا فإذا قرأ من المفصَّل أو غيره فلا حَرَجَ عليه.

هذه السُّورةُ الجَلِيلَةُ والعظيمة تسمَّى سورة الأَخْلاقِ. نسأل اللهَ العظيمَ أن يهديَنا إلى أَحْسَنِ الأخلاقِ، وأن يَصْرِفَ عنَّا سَيِّئَهَا.

وسُمِّيَتْ بذلكلِمَا فيها من الآداب العظيمة النَّافعة؛ ففيها خَمْسَةُ نداءاتٍ لأَهْلِ الإيمان، والنِّداءُ السَّادسُ عَامٌّ لجميع النَّاس، وَذُكِرَ فيها عَشرَةُ منهيَّاتٍ، وَعَشْرَةُ أَوَامِرَ.

ابْتَدَأَتِ السُّورةُ الكَرِيمَةُ بالنِّداء الأوَّلِ، وهو الأدبُ مع أَمْرِ الله وأَمْرِ رسولِهِ، فلا نقول حتَّى يَقُولَ، ولا نَفْعَلَ حَتَّى يَأْمُرَ.

ثمَّ تحدَّثت السُّورةُ عن النِّداءِ الثَّاني، عن كيفيَّة التَّعامل مع الرَّسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - عند مخاطبته والتَّحدُّثِ معه؛ تعظيمًا وتوقيرًا له.

ثمَّ تحدَّثت السُّورةُ عن النِّداء الثَّالث؛ وهوالأدبُ مع المسلمين فيما بينهم في عدم نَقْلِ الأخبار والأقوال إلاَّ بعد التَّثبُّت والتَّحقُّقِ منها.

ثمَّ دَعَتِ السُّورةُ إلى الإصلاحِ بين المتخاصِمَيْنِ، وَدَفْعِ عدوانِ البَاغِينَ، والباغي من له تَأْوِيلٌ مُحْتَمِلٌ؛ لأنَّأَعْظَمَ ما يفرِّق المسلمين الاقتتالُ.

ثمَّ جاء النِّداءُ الرَّابعُ في السُّورةِ في كَيْفِيَّةِ التَّعامل مع بقيَّة المسلمين الحاضر والغائب؛ فنهى عن مخلخلات الأُخُوَّةِ بين المسلمين، وهي سَتةٌ، بعد أن أَمَرَ بالصُّلح.

ثمَّ جاء النِّداءُ السَّادسُ لكلِّ الخَلْقِ كَافِرٍ ومنافقٍ ومسلمٍ، فجميعَ النَّاس من ناحية الشَّرف والأصل والمبدأ يَرْجِعُونَ إلى آَدَمَ وَحَوَّاءَ، وَمِنْ ناحية التَّفاضل والرِّفعةِ فبالدِّين، ومتابعةِ الرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم.

ثمَّ خُتِمَتِ السُّورةُ بالحديث عن الأعراب الَّذين ظنُّوا أنَّ الإيمانَ كَلِمَةٌ تُقَالُ باللِّسان، وجاءوا يمنُّون على الرَّسول إيمانَهم، فردَّ اللهُ عليهم أنَّهم ادَّعوا لأنفسهم دَرَجَةً لم يَصِلُوا إليها، وَأَنْكَرَ عليهم.

وبيَّن حقيقة الإيمان بأنَّه من ذاق طَعْمَ الإيمان بالله ورسوله، وباشر الإيمانُ قلوبَهم، فلم يَبْقَ فيه رَيْبٌ وَصدَّق ذلك بِبَذْلِ ماله ونفسه.

ونهاهم أن يمنُّوا على رسول الله إسلامَهم؛ لأنَّهمإن أسلموا فالمصلحةُ لهم، وإن لم يُسْلِمُوا فالمضرَّة عليهم.

قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَآمَنُوا} : النِّداءُ مُوَجَّهٌ لأهل الإيمان؛ تشريفًا لهم وتكريمًا، ولأنَّهم أَهْلُ الاستجابة، ولا يُثِيبُ اللهُإلاَّأَهْلَ الإيمان، ولأنَّ الإيمانَأَمْرٌ وَنَهْيٌ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت