فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 581

قوله تعالى: {لاتُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ اللهِ ورَسُولِه} ، قال غيرُ وَاحِدٍ من السَّلف: «أي لاتتقدَّموا بِقَوْلٍأَوْ فِعْلٍ» . فاللهُأَمَرَنَا بأشياء لِحِكْمَةٍ مُطْلَقَةٍ، وَنَهَانَا عن أشياء لِحِكْمَةٍ مُطْلَقَةٍ، وَسَكَتَ عن أَشْيَاءَ لِحِكْمَةٍ مُطْلَقَةٍ.

قال ابنُ عبَّاسٍ: «لاتقولوا خِلافَ الكتاب والسُّنَّةِ؛ فنهى عن التَّقدُّم بين يدي الله ورسوله في أيِّ شَيْءٍ، سواءٌ من الأقوال أو الأفعال أو غيرها، فلا تقولوا حتَّى يقولَ، ولا تفعلوا حتَّى يأمر» .

ولذلك هناك قاعدةٌأصوليَّةٌ في أصول الفقه: «لا مَسَاغَ للاجتهاد مع النَّصِّ الشَّرع» .

ويشمل التَّقديمُ بين يدي الله ورسوله الرَّدَّ على منكري السُّنَّة، ومن يريدون الاقتصار- فقط - على القرآن من أَجْلِ تفسير القرآن على حسب أهوائهم، لأنَّ القرآنَ فيه إِجْمَالٌ، والسُّنَّةَ النَّبويَّةَ مفسِّرةٌ له.

ويدخل في التَّقديم بين يدي الله ورسوله كلُّ مَنْ عارض شَرْعَ الله بِرَأْيٍأو قَوْلٍ، بِغَيْرِ عِلْمٍ ولا إذنٍ من الله.

ومن التَّقديم بين يدي الله ورسوله البِدَعُ بجميع أنواعها العقديَّة والقوليَّة والفعليَّة، وكلُّها من التَّقديم بين يدي الله ورسوله، وكلُّها مَعْصِيَةٌ لله ورسوله.

ومن التَّقديم بين يدي الله ورسوله تقديمُ العقل على ما جاء في الكتاب والسُّنَّة؛ فكلُّ من قدَّم عقلَه على الشَّرع فهو أعصى النَّاس.

لذلك شَبَّهَ بَعْضُ علمائنا القدامى العقل بالعَيْنِآلَةِ الإبصار، وشبَّه الوحيَ بالنُّور، فمهما كانت العينُ سليمةً وجيِّدةً لاتُبْصِرُ الأشياء إلاَّإذا غَمَرَهَا النُّورُ.

والعَقْلُأشْبَهُ الأشياء بالحاسب الآليِّ؛ أَذْكَاآلةٍ، وَأَغْبَى آلَةٍ، وَمِنْ ثمَّ الذَّكاء لاينفع الَّذينَ لايَمْلِكُونَ سِوَاهُ.

وَحَصَلَ تَأْلِيهُ العقل من ناحية طائفتين؛ طائفة تُؤَلِّهُ العقلَ، وطائفة استهانت بالعقل، والتَّوازن هو الحقُّ.

ومن التَّقديم بين يدي الله ورسوله معارضةُ شَرْعِهِ وَأَمْرِهِ بالقضاء والقَدَرِ، وقد ذَكَرَ اللهُ في كتابه الأَمْثَالَ العقليَّة الَّتي عَارَضَ بها الكفَّارُ الوَحْيَ.

فهذه الآيَةُ تبيِّن الأدبَ مع أَمْرِ الله ورسوله، ومن التأدُّبِ مع الله التأدُّبُ مع كتابه وسنَّة رسوله.

وقد رَوَى الأَثَرَ الإمامُ الثَّعلبيُّ والكلبيُّ من رِوَايَةِ أبي صالحٍ عن عبد الله بن عبَّاسٍ - رضي اللهُ عنهما - والإسنادُ ضَعِيفٌ.

قال الحافظُ ابْنُ حَجَرٍ في «الفتح» (5/ 37) : «وإن كان إسنادُه ضعيفًا لكنَّه يتقوَّى بطريق مجاهدٍ، وقد رُوِيَ هذا الأثرُ عن مجاهدٍ وَغَيْرِهِ من أئمَّة التَّابعين رِضْوَانُ الله عليهم أجمعين» .

وخلاصةُ ما فيه: أنَّه وَقَعَتْ خُصُومَةٌ بين بعض المنافقين وبين يهوديٍّ في زمن نبيِّنا - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم -، فَطَلَبَ اليهوديُّ من المنافق الاحتكامَ إلى نبيِّنا - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم -، فأراد المنافقُ من اليهوديِّ الاحتكامَ إلى كعبِ بن الأشرف؛ فَأَبَى اليهوديُّ، فذهبا إلى النَّبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - وقصَّا عليه قصَّتَهما، فحكم النَّبيُّ- صلَّى الله عليه وسلَّم - بأنَّ الحقَّ لليهوديِّ.

فلمَّا خرجا قال المنافقُ: هَلُمَّ بنا إلى أبي بكر رضي الله عنه. فَذَهَبَا إليه، فلمَّا عَرَضَ المنافقُ عليه القصَّة قال اليهوديُّ: يا أبا بكر ذَهَبْنَا إلى النَّبيِّ صلى الله عليه و سلم، فَحَكَمَ بأنَّ الحقَّ لي.

فقال أبو بكر رضي الله عنه: ما كان لابن أبي قُحَافَةَ أن يَحْكُمَ في مَسْأَلَةٍ حَكَمَ فيها رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم.

ثمَّ ذهبا إلى عمر بن الخطَّاب، فلمَّا قصَّ المنافقُ عليه القصَّة وطلب منه الحكمَ فيها قال اليهوديُّ: يا عمر ذهبنا إلى النَّبيِّ صلى الله عليه و سلم فحكم بأنَّ الحقَّ لي، ثمَّ ذَهَبْنَا إلى أبي بكرٍ فقال: ما كان لابن أبي قحافة أن يحكم في مسألةٍ حَكَمَ فيها رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم. فقال عُمَرُ للمنافق: أَحَقِيقٌ ما يقول اليهوديُّ؟ قال: نعم.

قال: انتظرا، ثمَّ دخل إلى بيته، وأخرج سيفَه، وَضَرَبَ عُنُقَ المنافق وقال: هذا حُكْمِي فيمن لم يَقْبَلْ بِحُكْمِ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم؛ فأنزل الله: {فَلَا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُم} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت