كذلك انظر إلى هذه الواقعة:
حدَّثَ أميرُ المؤمنين في الحديث «محمَّدُ بنِ خازم أبو معاوية الضَّرير» وكان محمَّدُ بنِ خازمٍ يقول: «ما حدَّثتُ بِحَدِيثٍ إلاَّ قال هارونُ الرَّشيد: صلَّى الله وسلَّم على سيِّدي» .
يقول: «فحدَّثت بحديث اختصام نبيِّ الله موسى وآدم والمحاجَّة الَّتي وَقَعَتْ بينهما، وَوَرَدَ ذلك في «الصَّحيحين» : «احتجَّ آَدَمُ وموسى، فقال نبيُّ الله موسى: أنت الَّذي أخرجتَ النَّاسَ من الجنَّة بذنبك وأشقيتَهم؟ فقال آدمُ لموسى: أنت الَّذي اصطفاك اللهُ برسالاته وبكلامه، أتلومني على أَمْرٍ كَتَبَهُ اللهُ عَلَيَّ قبل أن يخلقني، أو قدَّره عليَّ قبل أن يخلقني؟ قال نبيُّنا صلى الله عليه و سلم: فَحَجَّ آَدَمُ موسى» .ومعنى حجَّ آدمُ موسى: أي غَلَبَهُ بالحجَّة، وَظَهَرَ عليه بها.
والسَّببُ في ذلك أنَّأبانا آَدَمَ تَابَ إلى ربِّه وأناب، وقد غَفَرَ له الكريمُ الوهَّابُ، وقد خَرَجَ أبونا آدمُ من دار التَّكليف إلى دار الجزاء والحساب؛ فَلَوْمُهُ مَحْضُ تَخْجِيلٍ، ولا يترتَّب عليه إلاَّ التَّحسيرُ، وهو ممنوعٌ منه في شَرْعِ الله.
فلمَّا حدَّث محمَّد بن خازم بهذا الحديث قال عمُّ هارون الرَّشيد: «يا أبا خازم أين اجتمعا؟» فقال هارونُ الرَّشيد: «عليَّ بالسَّيف والنَّطع» . فقال أبو خازم: «ومَنْ في المجلس يا أمير المؤمنين، إنَّها هَفْوَةٌ» .
قال هارونُ: «واللهِ زَنْدَقَةٌ؛ يَعْتَرِضُ على حديث النَّبيِّ صلى الله عليه و سلم ويقول أين التقى موسى بِآَدَمَ على نبيِّنا وعليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ؟»
فقال عَمُّ هارون: «يا أمير المؤمنين، والله ما قلتُ هذا عنادًا وجحودًا، إنَّما رأيًا وَقَعَ في نفسي» .فقال هارونُ: «لله عليَّ أن أضرب رقبتَك أو تخبرني بمن قال لك هذا الكلام» .
ثمَّ قال: «وَرَاءَهُ أُنَاسٌ يُبيِّتون هذا الكلامَ والاعتراضَ على حديث النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، هذه مدرسة زنادقةٍ لابدَّ من أن نوقفَها بهذا السَّيف» .
قال: «يا أمير المؤمنين، ما أعلمني بهذا أَحَدٌ، ولا تحدَّثت به لأَحَدٍ، ولا حدَّثني به أَحَدٌ، إنَّما لمَّا ذُكِرَ هذا الحديثُ انْقَدَحَ في ذِهْنِي هذا الكلامُ، وهذه زَلَّةٌ وَهَفْوَةٌ» .
فقال الرَّشيدُ: «خلِّدوه في السِّجن حتَّى يُقرَّ على مَن يُعلِّمُه هذا الكلام، ثمَّ بعد ذلك له ولمن معه هذا السَّيفُ وهذا النَّطْعُ» .
فَمَكَثَ في السِّجن زمانًا وأقسم بالأيمان المغلَّظة أنَّه ما قال هذا عنادًا للنَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ولا إنكارًا لحديثه، وما عَلِمَ به أَحَدٌ. فأطلقه هارونُ الرَّشيدُ وكفَّر عن يَمِينِهِ. ذَكَرَهُ شَيْخُنَا الطَّحَّانُ.
قوله تعالى: {واتَّقُوا الله} .
أي: في التَّقديم أو مخالفة حكم الله، فيجب علينا أن نتَّقي اللهَ فيما أُمِرْنَا به، وذلك بفعل أَوَامِرِهِ، وَتَرْكِ نَوَاهِيهِ.
وفيها تَحْذِيرٌ لنا أن نَقَعَ فيما نهانا عنه من التَّقدُّم بينَ يَدَيِ الله ورسولِه، أو أن نخالفَ ما أَمَرَ به.
قوله تعالى: {واللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} .
أي: سَمِيعٌ لأقوالكم من التَّقديم بين يَدَيْهِ وغيره، عَلِيمٌ بأفعالكم ونيَّاتكم من التَّقديم بين يَدَيْهِ وَغَيْرِهِ.
قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَآمَنُوا} .
هذ النِّداءُ الثَّاني في التَّأدُّبِ مع الرَّسول - صلَّى الله عليه وسلَّم- وَتَعْظِيمِهِ، وَمِنْ تَعْظِيمِهِ في المخاطبةِ أن لا يَرْفَعَ صوتَه عندَه؛ لأنَّه يجب التَّأدُّبُ معه حيًّا وميِّتًا عند المخاطبة؛ ففي حياته يَخْفِضُ صوته عند الكلام معه، وبعد موته يَخْفِضُ صوتَه عند قبره، ولا يفعل عند قَبْرِهِ مانهاه عنه من الشِّرك وطلب الحوائج، إنَّما يُسَلِّمُ عليه كما لو كان حيًّا، وَبِصَوْتٍ مُنْخَفِضٍ.