قال: «بَلْ فِيمَا جَفَّتْ بِهِ الأَقْلامُ، وَجَرَتْ بِهِ المَقَادِيرُ» . فقال: فَفِيمَ العَمَلُ؟ قال: «اعْمَلُوا؛ فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ» . وتلا: {فَأَمَّا مَنْأَعْطَى وَاتَّقَى} . رواه مسلم
فَأَمَرَنَا بالعمل، وَعَمَلُ الإنسان في العاجلة دَلِيلٌ على مَصِيرِهِ في الآجلةِ.
فَأَخْبَرَ رَبُّنَا في هذه الآَيَةِ عَنْ نُفُوذِ قَدَرِهِ فينا جميعًا؛ فَكُلُّ ما يجري في هذا الكون بِقَضَاءِ الله وَقَدَرِهِ مِنْ كُفْرٍ، وإيمانٍ، وَصِحَّةٍ، وَسَقَمٍ، وَغِنًى، وَفَقْرٍ؛ فَخَلَقَ اللهُ كلَّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ، حتَّى طُولَ الإنسانِ، وَشَكْلَهُ؛ بِقَدَرٍ. كلامُهُ بِقَدَرٍ، حَيَاتُهُ وموتُه بِقَدَرٍ.
يقول اللهُ تعالى: {ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مَوسَى} ؛ أي: قَدَّرَ اللهُ ذَلِكَ قَبْلَ وقوعِه، فلم يَأْتِ صُدْفَةً؛ فكلُّ ما يجري في الكون قد قَدَّرَهُ اللهُ، وَكَتَبَهُ؛ مِنْ حَرَكَةٍ، وَسُكُونٍ، وَقَوْلٍ، وَفِعْلٍ؛ كلُّ ما يقع مَكْتُوبٌ.
لأنَّ اللهَ قدَّر المقاديرَ كلَّها، وكتبها قبل خَلْقِ السَّماوات والأرض بخمسين ألف سَنَةٍ، فكتب مقاديرَ كلِّ شَيْءٍ؛ فَعِلْمُهُ سَابِقٌ فينا، حتَّاإنَّالملائكةَ حينما تَكْتُبُ عَمَلَ الإنسانِ اليَوْمَي وَتَصْعَدُ به، تَجِدُهُ مُوَافِقًا لما كُتِبَ في اللَّوْحِ.
وهذه الآَيَةُ مِنْأَدِلَّةِ أَهْلِ السُّنَّةِ والجماعة على القدريَّة الَّذين يَنْفُونَ القَدَرَ؛ فكلُّ شَيْءٍ وَقَعَ فهو بِقَدَرِ الله، وما قَدَّرَهُ اللهُ فلا بُدَّ أَنْيَقَعَ.
فَحُكْمُ اللهِ مَاضٍ فِينَا، وكلُّها عَدْلٌ؛ كما في الدُّعاء: «عَدْلٌ فِينَا قَضَاؤُكَ» ؛ بخلاف النَّاس.
حقيقةُ الإيمان أنَّالأمورَ كلَّها بيد الله تعالى:
«لكلِّ شَيْءٍ حَقِيقَةٌ، وَمَا بَلَغَ عَبْدٌ حَقِيقَةَ الإِيمَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّمَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ، وَأَنَّ مَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ» . الهيثمي في الزوائد و صحيح الجامع.
ليس هُنَاكَ شَيْءٌ طَائِشٌ، شظيةٌ طائشةٌ، أو قذيفةٌ طائشةٌ، أو رصاصةٌ طائشةٌ، كلُّ هذه القذائف مُسَوَّمَةٌ؛ أي: عليها اسْمُ صاحبها. هذا هو الإيمان؛ ما شاء الله كان، وما لم يَشَأْ لم يَكُنْ.
قوله: {وَمَاأَمْرُنَاإِلَّاوَاحِدَةٌكَلَمْحٍبِالْبَصَرِ} .
الأمرُ هنا أَمْرٌ كَوْنِيٌّ؛ فلا يَسْتَعْصِي عليه شَيْءٌ.
لمَّا أَخْبَرَنَا بِنُفُوذِ قَدَرِهِ فِينَا، بَيَّنَ هُنَا نُفُوذَ مَشِيئَتِهِ فينا أَيْضًا؛ فاللهُ إذا أَرَادَ شَيْئًا لا يحتاج إلى أن يكرِّر الأمرَ؛ فإذا أراد شيئًا قال له كُنْ فَيَكُون؛ فيمتثل الأمرُ، ولا يكرِّر عليه الأمر؛ لأنَّ الله فعَّالٌ لما يريد.
أمَّا الإنسانُ فقد يأمر بالشَّيء، فيحتاج إلى تكرار الأمر، أمَّا أمرُ الله فهو نافذٌ، وفي لَمْحِ البَصَرِ، وليس هناك شَيْءٌأَسْرَعَ من لَمْحِ البَصَرِ؛ فلا يستعصي عليه شَيْءٌ، ولا يتخلَّف عمَّا أراده اللهُ.
-فائدةٌ حَوْلَ القدر والمشيئة:
قَدَرُ اللهِ نَافِذٌ فينا، وَمَشِيئَتُهُ كذلك. فأمَّا القَدَرُ فاللهُ يَقُولُ: {وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُون} .
فَجَمِيعُ ما يَحْصُلُ في الكون بقضاء الله وقدره؛ فَيُحْتَجُّ بالقَدَرِ في المصائب، ولا يُحْتَجُّ بالقَدَرِ في الكفر والمعاصي؛ لأنَّ اللهَ جَعَلَ لنا قُدْرَةً واختيارًا، وَجَعَلَ لنا عقلًا وَسَمْعًا وَبَصَرًا، وبيَّن لنا طَرِيقَ الخَيْرِ، وَطَرِيقَ الشَّرِّ.
فَمَنْ سَلَكَ طَرِيقَ الخير فله الجنَّة، وَمَنْ سلك طريق الشَّرِّ فله النَّارُ.
هل تجد أَحَدًا يَدْفَعُكَ للصَّلاة أو يَمْنَعُكَ عن الصِّيام أو يدفعك للزِّنا؟ أم أنَّكَ تَمْشِي باختيارك؟
لكن المَصَائِبُ لا اختيارَ لك فيها، وَمِنْ ثَمَّ أَحَدُ الكفَّارِ عَاشَ في الصَّحراء الغربيَّة سَبْعَ سَنَوَاتٍ حتَّى صار يتكلَّم بِلُغَتِهِمْ، ويلبس لباسَهم، ويعيش عَيْشَهُمْ.
قال: «وتعلَّمتُ مِنَ الأَعْرَابِ مُحَارَبَةَ القَلَقِ، وتعلَّمتُ منهم كَلِمَةً كلَّما أصابهم قَارِعَةٌ أو شَيْءٌ قالوا: قَضَاءٌ مَكْتُوبٌ. حتَّى إنَّهَا عَصَفَتْ عَاصِفَةٌ وَذَهَبَتْ بثلاثة أرباع أغنامهم، فقال شيخُهم: «الحَمْدُ لله؛ بَقِيَ لنا الرُّبُعُ، وهذا قضاءٌ مكتوبٌ» .