وهذه هي عقيدةُ المسلم في القضاء والقَدَرِ؛ يجد بها الرَّاحَةَ والطُّمَأْنِينَةَ والشَّجَاعَةَ، وبها يلقى ربَّه.
وأمَّا المشيئةُ؛ غَلَبَ قَضَاءُ الله الحِيَلَ كلَّها، وَغَلَبَتْ مَشِيئَتُهُ المَشِيئَاتِ كلَّها؛ فما شاء اللهُ كَانَ، وما لم يَشَأْ لَمْ يَكُنْ.
قوله: {وَلَقَدْأَهْلَكْنَاأَشْيَاعَكُمْ} .
أعاد اللهُ التَّهْدِيدَ للكفَّار؛ فَمِلَّةُ الكُفْرِ وَاحِدَةٌ، ولو كَانَتْ مِلَلُهُمْ شتَّى؛ فسنَّتُهم واحدةٌ؛ الكُفْرُ بالله.
ومعنى «أَشْيَاعَكُمْ» أي: أَمْثَالَكُمْ، ومن كان على طريقتكم ومنهجكم وسُنَّتِكُم من المكذِّبين بالرُّسُلِ؛ فَهَلاكُهُمْ مُسْتَمِرٌّ بسبب كفرِهم وأفعالهم.
قوله: {فَهَلْمِنْمُدَّكِرٍ} .
أي: متَّعظ أو معتبر.
قوله: {وَكُلُّشَيْءٍفَعَلُوهُفِيالزُّبُرِ} .
كلُّ شَيْءٍ فَعَلَهُ العبادُ مَكْتُوبٌ؛ سَوَاءٌ في اللَّوْحِ المحفوظ، أو صَحَائِفِ المَلائِكَةِ الَّتي تُسَجِّلُهُ عليهم.
فما فعلوه فهو مُحْصًى عليهم، وَسَيُحَاسَبُونَ عليه يَوْمَ القيامة.
قوله: {وَكُلُّصَغِيرٍوَكَبِيرٍمُسْتَطَرٌ} .
أي: جَمِيعُأَعْمَالِهِمْ وأقوالهم صَغِيرُهَا وَكَبِيرُهَا مَكْتُوبٌ. وهذا يُعْطِينَا أنَّنا سَنُوَاجِهُ حِسَابًا دَقِيقًا لكلِّ قَوْلٍ، ولكلِّ عَمَلٍ.
ففي الحديث: «يَا عَائِشَةُ! إِيَّاكِ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ؛ فَإِنَّ لَهَا مِنَ اللهِ طَالِبًا» . رواه أحمد و ابن ماجة و المنذري و الطبراني.
قال الألبانيُّ في «السِّلسلة الصَّحيحة» : «أخرجه الدَّارِمِيُّ، وَابْنُ مَاجَهَ» .
فالوَيْلُ لناإن لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا. ربَّنا اغْفِرْ لنا ولوالِدِينَا وللمؤمنين يَوْمَ يَقُومُ الحِسَابُ.
قوله: {إِنَّالْمُتَّقِينَفِيجَنَّاتٍوَنَهَرٍ} .
لمَّا انتهى مِنْ تَوْبِيخِ الكفَّارِ المكذِّبِينَ وتهديدهم وأنَّهم سوف يُسْحَبُونَ في النَّار على وجوهِهم بسبب الكفر والكِبْرِ والجهل، خَتَمَ السُّورَةَ بذكر حال المؤمنين الَّذين استجابوا لله وللرَّسول - صلَّى الله عليه وسلَّم- وَأطاعُوه؛ فَلَهُمْ جَنَّاتٌ وَنَهَرٌ.
الجنَّة والنَّار من حيث العَدَدِ هي جَنَّةٌ وَاحِدَةٌ، وَنَارٌ وَاحِدَةٌ، ولكن لِكُلٍّ منهما دَرَجَاتٌ وَمَنَازِلُ.
فالجنَّةُ ليست جَنَّةً وَاحِدَةً، بل هي جِنَانٌ كَثِيرَةٌ. وفي حديث أمِّ حارثةَ قال: «يَا أُمَّ حَارِثَةَ، إِنَّهَا جِنَانٌ كَثِيرَةٌ، وَإِنَّ ابْنَكِ أَصَابَ الفِرْدَوْسَ الأَعْلَى» . رَوَاهُ البخاريُّ.
«وَفِي الجَنَّةِ مِائَةُ دَرَجَةٍ أعدَّها اللهُ لِلمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ؛ مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ» . رواه البخاريُّ.
وقيل: «لا يُعْرَفُ تَحْدِيدًا عَدَدُ دَرَجَاتِ الجَنَّةِ» . وَقِيلَ: «إِنَّهَا بِعَدَدِ آَيَاتِ القرآن الكريم؛ أَخْذًا من حديث عبد الله بن عمرٍو عن النَّبيِّ- صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - قَالَ: «يُقَالُ لِصَاحِبِ القُرْآَنِ اقْرَأْ وَارْتَقِ وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ فِي الدُّنْيَا؛ فَإِنَّ مَنْزِلَتَكَ عِنْدَ آَخِرِ آَيَةٍ تَقْرَأُ بِهَا» . رواه أبو داودٍ (1464) والتِّرمذيُّ. قاله المنذريُّ في «التَّرغيب» نَقْلًا عن الخطَّابيِّ.
ولكن في كلامه هذا نَظَرٌ؛ لأنَّ الحَدِيثَ في بيان «منازل» الحَفَظَةِ، وليس في دَرَجَاتِهِمْ.
وَمُخْتَصَرُ القَوْلِ: الجَنَّةُ جِنَانٌ كَثِيرَةٌ لا يعلمها إلاَّ اللهُ، وكلٌّ له مَنْزِلُهُ وَمَكَانُهُ بِحَسَبِ عَمَلِهِ.
قوله: {وَنَهَرٍ} .
أي: أنهارًا وَاسِعَةً تَجْرِي من تحت الجِنَانِ؛ يشربون منها، وينظرون إليها، فجمع اللهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ وأنهارًا.
قوله: {فِيمَقْعَدِصِدْقٍعِنْدَمَلِيكٍمُقْتَدِرٍ} .