ودخل صعصعة بن صوحان على معاوية، فقال:
"يابن صوحان، أنت ذو معرفة بالعرب وبحالها، فأخبرني عن أهل البصرة، وإياك والحمل على قوم لقوم"قال:"البصرة واسطة1 العرب، ومنتهى الشرف والسؤدد، وهم أهل الخطط2 في أول الدهر وآخره، وقد دارت بهم سروات3 العرب كدوران الرحى على قطبها"، قال: فأخبرني عن أهل الكوفة، قال:"قبة الإسلام، وذروة الكلام، ومصان ذوي الأعلام -إلا أن بها أجلافًا4 تمنع ذوي الأمر الطاعة، وتخرجهم عن الجماعة- وتلك أخلاق ذوي الهيئة والقناعة". قال: فأخبرني عن أهل الحجاز، قال:"أسرع الناس إلى فتنة، وأضعفهم عنها، وأقلهم غناء5 فيها، غير أن لهم ثباتًا في الدين، وتمسكًا بعروة اليقين، يتبعون الأئمة الأبرار، ويخلعون الفسقة الفجار"فقال معاوية: من البررة والفسقة؟ فقال:"يابن أبي سفيان، ترك الخداع، من كشف القناع، علي وأصحابه من الأئمة الأبرار، وأنت وأصحابك من أولئك"ثم أحب معاوية أن يمضي صعصعة في كلامه، بعد أن بان فيه الغضب، فقال: أخبرني عن القبة الحمراء في ديار مضر6، قال:
1هو على التشبيه بواسطة العقد: وهي الجوهرة الفاخرة التي تجعل وسطه.
2 الخطط جمع خطة بالكسر: وهي الأرض تنزل من غير أن ينزلها نازل قبل ذلك، ومنه خطط الكوفة والبصرة. وقد خطها لنفسه واختطها: وهو أن يعلم عليها علامة بالخط ليعلم أنه قد احتازها.
3 السرو بالفتح: المروءة في شرف، سرو فهو سري وجمعه أسرياء وسرواء كفضلاء والسراة بالفتح اسم جمع وجمعه سروات.
4 جمع جلف بالكسر: وهو الرجل الجافي.
5 غناء: كفاية.
6 ذكروا أن نزار ابن معد لما حضرته الوفاة جمع بنيه: مضر وإيادًا، وربية، وأنمارًا، فقال: يا بني، هذه القبة الحمرا