واستعمل سعيد بن العاص -وهو والٍ على المدينة- ابنه عمرو بن سعيد واليًا على مكة، فلما قدم لم يلقه قرشي ولا أموي إلا أن يكون الحارث بن نوفل، فلما لقيه قال له: يا حار، ما الذي منع قومك أن يلقوني كما لقيتني؟ قال: ما منعهم من ذلك إلا ما استقبلتني به، والله ما كنيتني، ولا أتممت اسمي، وإنما أنهاك عن التشذر1 على أكفائك، فإن ذلك لا يرفعك عليهم، ولا يضعهم لك، قال: والله ما أسأت الموعظة، ولا أتهمك على النصيحة، وإن الذي رأيت مني لخلق2، فلما دخل مكة قام على المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال:
"أما بعد، معشر أهل مكة فإنا سكنَّاها غبطة، وخرجنا عنها رغبة، ولذلك كنا إذا رفعت لنا اللهوة3 بعد اللهوة أخذنا أسناها، ونزلنا أعلاها، ثم شرج4 أمر"
1 تذر: توعد وتهدد وتغضب وتسرع إلى الأمر، والمراد هنا التكبر.
2 الخَلق: البالي، والمراد أنه لا يعود إليه.
3 اللهوة بالضم والفتح: العطية أو أفضل العطايا وأجزلها.
4 من الشرج بالتحريك: وهو انشقاق القوس. قوس شريّج: فيها شق، والمراد حدث ونجم.