فهرس الكتاب

الصفحة 1025 من 1257

للرشاد، ويرفضه من غلب عليه الغيّ والفساد، بمقارفة أسبابه من الغرو بالغنى والجاه، والكبر وهو غمط الحق، واحتقار المتكبر لمن يزدري من الناس، وتعصبه لما كان عليه الآباء والاجداد، واتباع الهوى وحب الشهوات المانعة من طاعة الله. فمعنى إرادة الله تعالى لاغوائهم اقتضا سنتهم فيهم أن يكونوا من الغاوين، لا خلقه للغواية فيهم جزافا أنفا (بضمتين) أي ابتداء بغير عمل ولا كسب منهم لأسبابها، فإن هذا مضاد لمذهب أهل السنة في اثبات خلق الأشياء مقدرة بأقدارها، ترتبط أسبابها بمسبباتها.

ومعنى قوله: «هو ربكم واليه ترجعون» هو أنه مالك أموركم ومدبرها ومسيرها على سننه المطردة في الدنيا، ولكل شيء عنده قدرا ولكل قدر أجل، واليه ترجعون في الآخرة، فيجزيكم بأعمالكم خيرها وشرها، لا يظلم أحدا.

وينبغي ألا نغفل عن أن الناصح قد يكون مخادعا فلا تفيد نصيحته. وهذا الناصح المخادع قد يحس بالريبة والانكشاف ونحن نتذكر هنا أن اخوة يوسف عليه السلام قد وقفوا هذا الموقف كما جاء في سورة يوسف

«قالُوا يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ» .

قالوا: أي شبهة عرضت لك فجعلتك لا تأمنا على يوسف، وكأنهم أحسوا أنه قد ارتاب فيهم على حد قول القائل: «كاد المريب أن يقول خذوني» .

ولعل شعورهم بارتيابه فيهم هو الذي جعلهم يؤكدون كلامهم كل هذا التأكيد.

وهذا هو الشيطان الاثيم يريد ان يظهر بمظهر الناصح فيقول القرآن الكريم في سورة الأعراف:

«وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ. فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ» (1) .

هذا هو الشيطان اللعين يخادع فيدعي لآدم وحواء عليهما السلام أنه ناصح لهما، وأكد دعواه بأشد المؤكدات وأغلظها، وحرضهما على الاكل من الشجرة المحرمة، فما زال يخدعهما بالترغيب في الاكل من تلك الشجرة حتى أسقطهما، وحطهما مما كانا عليه من سلامة الفطرة، وطاعة الخالق سبحانه، بضرورة الباطل وخداعه الكذوب، حيث نفخ في نار الشهوة الغريزية، مثيرا لها فوقع آدم وحواء في الخطيئة، بتأثير الوسوسة والتزيين. ومن هنا ينبغي للإنسان أن يحذر المخادعين بالنصائح الذين يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، وقد ينصحون الإنسان بالشيء يوهمونه أنه طريقه إلى النجاة والفلاح، مع أنه طريق الخراب والدمار.

وقد نوه القرآن المجيد بشأن النصيحة الخالصة المخلصة حين قال في سورة القصص على لسان من أخلص النصيحة لموسى فقال:

«إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ» (2) .

هذا ولفضيلة النصيحة في السنة المطهرة شأن وذكر، فقد قال سيدنا

(1) سورة الأعراف، الآية 21 - 22.

(2) سورة القصص، الآية 20.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت