فهرس الكتاب

الصفحة 1042 من 1257

رجاء في أن يفيء القوم إلى الهدى والإيمان بحال».

وننتقل إلى روضة السنة النبوية لنجدها تحدثنا عن الهجرة الأخلاقية الروحية فيقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المهاجر من هجر ما نهى الله عنه» . فالمسلم يلزمه أن يهاجر بقلبه وطباعه وسلوكه حتى ولو لم يبرح داره كما قالت الرواية الاخرى للحديث: «المهاجر من هجر ما حرم الله عليه» . وقد عدّ الفقهاء من هذا القبيل هجرة المسلم أهل المعاصي حتى يثوبوا ويرجعوا عن غيّهم تأديبا لهم فالمسلمون لا يخالطون هؤلاء الفساق حتى يتوبوا.

وقد جاء في الحديث الذي رواه الشيخان البخاري ومسلم: «لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا» . أي إن الهجرة الحسية من مكة إلى المدينة قد انتهت بفتح مكة وانتصار المسلمين، ولكن الهجرة الروحية الأخلاقية باقية، وهي قائمة على المجاهدة وإخلاص النية.

ولقد جاء في مسند الإمام أحمد بن حنبل:

ما الهجرة؟.

-تهجر السوء.

وقد روى أبو داود:

-أي الهجرة أفضل؟.

-أن تهجر ما حرّم الله عليك.

وحينما تحدث ابن الاثير في كتابه «النهاية» عن الحديث: «لا هجرة بعد ثلاث» قال: «يريد به الهجر بعد الوصل، يعني فيما يكون بين المسلمين من عتب وموجدة، أو تقصير يقع في حقوق العشرة والصحبة، دون ما كان من ذلك في جانب الدين، فإن هجرة أهل الأهواء والبدع دائمة على مرّ الاوقات، ما لم تظهر منهم التوبة والرجوع إلى الحق، فإنه صلى الله عليه وسلم لما خاف على كعب بن مالك وأصحابه النفاق، حين تخلفوا عن غزوة تبوك، أمر بهجرانهم خمسين يوما، وقد هجر نساءه شهرا، وهجرت عائشة ابن الزبير مدة وهجر جماعة من الصحابة جماعة منهم وماتوا.

وقد جاء في السنة الحديث القائل: «هاجروا ولا تهجروا» أي كونوا من المهاجرين حقيقة، ولا تتشبهوا بهم في القول دون العمل، وهذا يؤكد لنا أن الهجرة عمادها النية وثبات الأخلاق التي تدفع صاحبها باصالتها وكرمها إلى أن يكون قدوة سليمة قويمة في هجرته، سواء أكانت هجرة حسية تتمثل في الانتقال من مكان إلى مكان، أم كانت هجرة أخلاقية عمادها تجنب ما حرّم الله والانتهاء عما نهى عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت