وقد يبدو لبعض قصار النظر أن الهجرة يسيرة في الإتيان بها، فهي لا تحتاج إلا إلى الانتقال من أرض إلى أرض مع أنه جاء في صحيح البخاري الحديث القائل: «ان شأن الهجرة لشديد» . ويفهم الإنسان فيما يفهم أن الهجرة تكون شديدة على الإنسان، ولو كانت مجرد هجرة حسية لأن الهجرة ترك للوطن والاهل والسكن والمعارف والاقارب والاصدقاء. وليس من المستطاع الميسور احتمال هذا على كل إنسان. فإذا كانت الهجرة معنوية روحية أخلاقية كانت الشدة فيها أوضح وأظهر، لأن الهجرة المعنوية تحتاج إلى عزم الرجال وهمم الابطال، وهم في هذا المجال يتمردون على مألوف العادات ومرغوب الشهوات ومحبوب اللذات، وهذا مرتقى صعب لا يقدر عليه إلا أصحاب الهمم العالية من الناس.
ولو التفتنا إلى الصوفية وهم يتحدثون بطريقتهم الخاصة واسلوبهم المتميز لوجدناهم يعطون الهجرة منزلة خاصة عالية، فحين يتحدث القشيري عن قوله تبارك وتعالى «فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي» يصور معنى هذا بأسلوبه الخاص به وبطائفته فيقول: «لا تصح الهجرة إلى الله إلا بالتبري - بالكمال - بالقلب من غير الله، والهجرة بالنفس يسيرة بالإضافة إلى هجرة القلب وهي هجرة الخواص، وهي الخروج من أوطان التفرقة إلى ساحات الجمع، والجمع بين التعريج في أوطان التفرقة والكون في مشاهد الجمع متناف.
ويحاول القشيري أن يشرح ذلك بطريقته فيذكر أن ما يكون كسبا للعبد وما يليق بأحوال البشرية فهو مزق، وما يكون من قبل الحق من ابداء معان، واسداء لطف وإحسان، فهو جمع، فاثبات الخلق من باب التفرقة، واثبات الحق من باب الجمع.
هكذا يقولون ويعبرون، وهو أسلوب خاص بهم مقصور عليهم.
ويقول الله تعالى في سورة المزمل:
«وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا» (1) .
قيل ان الهجر الجميل أن تعاشرهم بظاهرك وتباينهم بسرك وقلبك وقيل الهجر الجميل ما يكون لحق ربك لا لحظ نفسك. وفي تفسير «مفاتيح الغيب» : المعنى إنك لما اتخذتني وكيلا كان عليك أن تصبر على ما يقولون، وأن تفوض أمرهم إليّ، فإنني لما كنت وكيلا لك كنت أقدر على إصلاح أمرك منك لقيامك بإصلاح أمور نفسك ... والإنسان اما أن بكون مخالطا للناس أو مجانبا عنهم، فإن خالطهم فلا بد له من المصابرة
(1) سورة المزمل، الآية 10.