فهرس الكتاب
وفوق هذا نجد رسول الله عليه الصلاة والسّلام يصور لنا سلسلة النبوات والرسالات على أنها طراز رفيع مجيد من التعاون على نشر دين الله ودعوته بين البشر خلال عصور التاريخ، وكل رسول يبني جزءا يمهد به لجزء مقبل، ويأتي رسول من بعده فينتفع بسابق البناء ويضيف إليه، وهكذا حتى يتم البناء بالرسالة الخاتمة الجامعة: رسالة محمد صلى الله عليه وسلم.
يقول النبي في ذلك: «ان مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وجمله، إلا موضع لبنة (أي حجر) من زاوية، فجعل الناس يطوفون به، ويعجبون له، ويقولون هلا وضعت هذه اللبنة؟. فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين» .
ولقد شهد تاريخ الإسلام في صدره الأول مواقف عملية تجلى فيها تطبيق التعاون في المجتمع الإسلامي، فكان من وراء ذلك خير وبر، فالهجرة مثلا اشترك فيها كهول مثل النبي وأبي بكر، وشباب كعلي وعبد الله بن أبي بكر، ونساء كزوجة أبي بكر، وفتيات كأسماء وعائشة ابنتي أبي بكر، وأسهم كل واحد منهم بمجهود، فأبو بكر أعد العدّة وسيلة الانتقال، بعد أن رسم النبي الخطة وحدد لها الميقات، وعلي رقد على سرير النبي ليظن المشركون أن النبي ما زال موجودا في فراشه، وزوجة أبي بكر تعد الطعام مع ابنتيها، وأسماء تحمل الزاد والماء إلى الغار.
وعقب الهجرة شرع المسلمون في بناء مسجد الرسول بالمدينة، ولقد تم في أقصر مدة ممكنة، ولو لا تعاون الايدي المؤمنة في جمع المواد، وتهيئة الوسائل، وتشييد البناء، لما تمّ المسجد بهذه السرعة التي كانت ثمرة من ثمرات التعاون.
وفي غزوة الأحزاب أراد المسلمون حفر الخندق حول المدينة، من الجهة التي لا تحصنها جبال، وكان الوقت ضيقا، وكانت الأحزاب تتقدم نحو المدينة بسرعة، ولكن التعاون جاء فحل المشكلة، واشترك الجميع في العمل، واستطاع المؤمنون بتعاونهم الكريم أن يتموا حفر الخندق الطويل، قبل أن تصل جموع الاعداء المشركين.
ولقد حدث أن ارتحل النبي صلى الله عليه وسلم مع جماعة من
أصحابه، وفي أثناء الرحلة أرادوا أن يهيئوا شاة لطعامهم، فقال أحد الصحابة: عليّ ذبح الشاة.
وقال الثاني: وعليّ سلخها.
وقال الثالث: وعليّ طبخها.
فقال رسول الله عليه الصلاة والسّلام: وأنا عليّ جمع الحطب.
فقال له أصحابه: يا رسول الله نحن نكفيك ذلك.