(كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) وقوله في سورة الأنفال: (وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) . وقوله في سورة النحل: (وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) .. وقوله في سورة الحج: (كَذلِكَ سَخَّرْناها لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) ، وقوله في سورة القصص: (وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) .
وكأن الحقّ - جل جلاله - يذكر نعمه وآلاءه، ثم يعقّب على ذلك بالتوجيه إلى الشكر، لكي يشعر المنعم عليهم بأن واجب التقدير للنعمة، أو الانصاف في المعاملة، أو العدل في التصرف، يستلزم شكر النعمة وتقديرها، حتى يكون ذلك داعيا إلى استمرار المزيد منها، والله تبارك وتعالى هو خير الشاكرين.
وفي مواطن أخرى نجد القرآن الكريم يستعمل بدل كلمة «لعل» كلمة أخرى مثل «لو لا» ، وهي أيضا تأتي للتحضيض، وبمعنى كلمة «هلّا» ، كما في قوله تعالى: (لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا فَلَوْ لا تَشْكُرُونَ) . أو كلمة «ا فلا» كقوله في سورة يس (لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ) . وقوله أيضا: (وَلَهُمْ فِيها مَنافِعُ وَمَشارِبُ أَفَلا يَشْكُرُونَ) . أو كلمة «هل» كقوله في سورة الأنبياء: (فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ) .
وهذه المواطن توحي بروح الحث على خلق الشكر والدعوة إليه، مع التنبيه على أنه مقتضى الادراك الواعي، والتقدير البصير للأشياء، والاحساس بقيمة النعم والآلاء، ولذلك نجد القرآن الكريم يعلمنا أن الرجل المتحلي بخلق
الشكر هو الإنسان المتدبر المعتبر الناظر إلى آلاء الله وآياته نظرة فاحصة عميقة مقدرة، فيذكر قوله سبحانه وتعالى: «إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ» في سور إبراهيم، ولقمان، والشورى، وذلك بعد أن يورد جانبا من نعم الله التي لا تعد، وآلائه التي لا تحصى.
وإذا كانت الأشياء تتميز بضدها، وتبدو قيمتها عند المقارنة بما يناقضها، فلعل القرآن الكريم حين أمرنا بالشكر ونهانا عن ضده وهو الكفر، قد أراد أن يهدينا إلى الخير الكثير الذي نناله حين نتحلى بخلق الشكر، وحسبنا من الخير أن يكون عاصما لنا من الهلاك والدمار.