فهرس الكتاب

الصفحة 1129 من 1257

يقول السيد رشيد رضا في تصوير فائدة الدعاء الاضطراري: كل مؤمن بقوة غيبية يرى نفسه ملتجئة إليه عند اشتداد البأس، والخطر المشرف بها على اليأس، فيدعو صاحب القوة العليا، ويستغيث به، وعند ذلك تفتح في وجهه أبواب الرجاء، وتنزل عليه السكينة بعد الاضطراب، وهذه فائدة كبرى للدعاء، تتلوها فوائد، أظهرها أن اليائس ينقطع عن السعي، فإذا اشتد به الضيق فربما يبخع نفسه انتحارا بيده، ولذلك يكثر الانتحار في قوم لا يؤمنون، فالرجاء الذي يحدثه الالتجاء بالدعاء يعطي المضطر قوة جديدة، ويهديه إلى طرق جديدة يسلكها في اعادة السعي حتى ينجو من الخطر، أو يبلغ بعض الوطر.

ويتحدث رشيد رضا عن القسم الثاني من الدعاء وهو الاختياري فيذكر أنه من الأعمال التي تزيد في الإيمان، وتدعمه كسائر العبادات المطلوبة في الدين، وليس أثرا طبيعيا له، ولو لا ذلك لما كان للتكليف به معنى. إذا قال العبد: اللهم وسع عليّ في الرزق، يتذكر أن سعيه في طلب الرزق من أسبابه التي هداه الله تعالى إليها بالحواس، والعقل يتوقف على حفظ قواه، وعلى توفيق الله بين سعيه وبين الأحوال والأمور الخارجية التي يتوقف عليها النجاح، فيزداد إيمانه بهذا الذكر، ويزداد نشاطه باعتقاده أن الله يعينه ما رعى سنته في خليقته، وأتى البيوت من أبوابها.

وإذا قال: اللهم اغفر لي يتذكر أنه عرضة للهفوات والخطايا، وأن الغفران الإلهي له طريق بيّنها الكتاب العزيز بمثل قوله:

«واني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى» .

فإن لم يتذكر الآية فإنه يتذكر معناها، إلا إذا كان جاهلا بالدين، مكتفيا منه بما يسمعه ممن يعيش بينهم من الجاهلين، وإذا تذكر ان الدين علّم البشر أن للذنوب والخطايا آثارا سيئة في النفس، وان غفرها ومحوها إنما يكون بالرجوع عن الذنب، وعمل طاعة من جنسه تؤثر في النفس ضد أثره، فإنه يكون قريبا من العمل الصالح. قال تعالى:

«إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ» (1) .

وقال عليه الصلاة والسّلام: «وأتبع السيئة الحسنة تمحها» .

وان قال قائل: كيف ندعو الله من أجل أمر هو يعلمه ويحيط به؟ فإن الجواب يمكن أن يؤخذ من مثل قول القائل الحكيم:

(1) سورة هود، الآية 114.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت