فهرس الكتاب

الصفحة 1135 من 1257

فقال: لأنكم عرفتم الله فلم تطيعوه، وعرفتم الرسول فلم تتبعوا سنته، وعرفتم القرآن فلم تعملوا بما فيه، وأكلتم نعمة الله فلم تردوا شكرها، وعرفتم الجنة فلم تطلبوها، وعرفتم النار فلم تهربوا منها، وعرفتم الشيطان فلم تحاربوه ووافقتموه، وعرفتم الموت فلم تستعدوا له، ودفنتم الأموات فلم تعتبروا بهم، وتركتم عيوبكم واشتغلتم بعيوب الناس.

وثمة سؤال أخير في هذا المجال: ما فائدة الدعاء وقد عرفنا أن القضاء لا مرد له؟.

ويجيب «الاحياء» للغزالي:

من القضاء رد البلاء بالدعاء، فالدعاء سبب لرد البلاء، واستجلاب الرحمة كما أن الترس سبب لرد السهم، والماء سبب لخروج النبات من الأرض، فكما أن الترس يدفع السهم فيتدافعان، فكذلك الدعاء والبلاء

يتعالجان، وليس من شرط الاعتراف بقضاء الله تعالى أن لا يحمل السلاح. وقد قال تعالى في سورة النساء:

«وَخُذُوا حِذْرَكُمْ» (1) .

وأن لا يسقي الأرض بعد بث البذر، فيقال: ان سبق القضاء بالنبات نبت البذر، وان لم يسبق لم ينبت، بل ربط الأسباب بالمسببات هو القضاء الأول الذي هو كلمح البصر أو هو أقرب، وترتيب تفصيل المسببات على تفاصيل الأسباب على التدريج والتقدير هو القدر، والذي قدر الخير قدره بسبب، والذي قدر الشر قدر لدفعه سببا، فلا تناقض بين هذه الأمور عند من انفتحت بصيرته.

والدعاء فيه ذكر الله، والذكر يستدعي حضور القلب مع الله، وهو منتهى العبادات، ولذلك قال الرسول عليه الصلاة والسّلام: «الدعاء مخ العبادة» . والغالب على الخلق أنه لا تنصرف قلوبهم إلى ذكر الله عز وجل إلا عند المام حاجة وارهاق ملمة، فإن الإنسان إذا مسه الشر فذو دعاء عريض، فالحاجة تحوج إلى الدعاء، والدعاء يرد القلب إلى الله عز وجل بالتضرع والاستكانة، فيحصل به الذكر الذي هو أشرف العبادات، ولذلك صار البلاء موكلا بالأنبياء عليهم الصلاة والسّلام، ثم الأولياء، ثم الامثل فالامثل، لأنه يرد القلب إلى الافتقار والتضرع إلى الله عز وجل، ويمنع من نسيانه، وأما الغنى فسبب للبطر في غالب الأمور: «كلا ان الإنسان ليطغى أن رآه استغنى» .

ربنا انك سميع الدعاء، ربنا فتقبل منا الدعاء.

(1) سورة النساء، الآية 102.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت