فهرس الكتاب

الصفحة 1153 من 1257

وقد عرف من اختبار قبائل هذا النوع وشعوبه، في حالي بداوته وحضارته أنه يتعب ويبذل في سبيل الزينة فوق ما يتعب ويبذل في سبيل ضروريات المعيشة، وكثيرا ما يفضلها عليها عند التعارض، فالمرء قد يضيق على نفسه في طعامه وشرابه ليوفر لنفسه ثمنا لثوب فاخر، يتزين به في الاعياد والمجامع، وماذا تقول في المرأة وهي أشد حبا للزينة من الرجل، وقد تؤثرها على جميع اللذات الاخرى؟. وان توسع الاغنياء في أنواع الزينة التي ينفسون بها على الفقراء هو الذي وسع الطرق لاستفادة هؤلاء من فضل أموال أولئك، فإن الغواصين الذين يستخرجون اللؤلؤ من أعماق البحار، وعمال الصياغة والحياكة والتطريز والبناء والنقش، والتصوير وسائر الزينات، كلهم أو جلهم من الفقراء الذين يتزين الاغنياء بما يعملون لهم، وهم منه محرومون، ولكنهم لا يصلون إلى ما لا بد لهم منه من معيشة وزينة تليق بهم إلا بسبب تنافس الاغنياء فيه.

فحب الزينة أعظم أسباب العمران، واظهار استعداد الإنسان لمعرفة سنن الله وآياته في الاكوان، فهي غير مذمومة في نفسها، إنما يذم الاسراف فيها، والغفلة عن شكر المنعم بها، ومن الاسراف فيها جعلها شاغلة عن عبادة الله تعالى. وعن سائر معالي الأمور والكمالات الإنسانية، من علمية أو عملية أو اجتماعية، دنيوية كانت أو أخروية».

والله تبارك وتعالى يحدثنا عن الزينة ويحببنا فيها عند وجودنا في المواطن المناسبة لها، ويحثنا على التمتع بالطيبات، ويقرر أنها من صفات المؤمنين، ويدعو بني آدم جميعا إلى هذا التزين والتمتع فيقول في سورة الأعراف:

«يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ، قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ» (1) .

فهو سبحانه وتعالى يحببنا في التزين بالثياب الحسنة والمظهر الجميل، عند دخول المساجد للصلوات، وفي صلاة الجماعة والجمعة والعيدين، ويقول رشيد رضا في ذلك: «التجمل بزينة اللباس اللائق عند الصلاة - ولا سيما صلاة الجمعة والجماعة وفي العيدين - سنة لا واجب. ولكن إطلاق الأمر يدل على وجوب الزينة للعبادة عند كل مسجد، بحسب عرف الناس في تزينهم المعتدل في المجامع والمحافل، ليكون المؤمن عند عبادة

(1) سورة الأعراف، الآية 31 و 32.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت