فهرس الكتاب

الصفحة 1169 من 1257

وتحدثوا بها، واشكروها قولا وعملا.

ولقد قال المحققون: التحديث بنعم الله تعالى جائز مطلقا، بل مندوب إليه إذا كان الغرض منه أن يقتدي غيره به، أو أن يشيع شكر ربه بلسانه، وإذا لم يأمن على نفسه الفتنة والاعجاب فالستر أفضل. ولذلك يقول الحسن رضي الله عنه: إذا أصبت خيرا، أو عملت خيرا، فحدث به الثقة من اخوانك. وكان عمرو بن ميمون يردد قوله: إذا لقي الرجل من اخوانه من يثق به يقول له: رزق الله من الصلاة البارحة كذا وكذا.

ولا شك أن الرجل الذي يحلي نفسه ويجمل ذاته بفضيلة التحدث بنعم الله سبحانه - قولا وعملا - رجل جدير بالتقدير والمثوبة والاجر من خالقه تبارك وتعالى لأن هذا التحدث يدل أولا على تقدير النعمة، ويدل ثانيا على روح الاعتراف والاقرار بفضل خالقها وواهبها، ويدل ثالثا على أن النعمة وجدت لديه الأرض الطيبة التي تثمر خير الإثمار ولذلك يعد التحدث بالنعمة من أكرم خصال الأنبياء وفضائلهم، وهذا زعيمهم محمد، كان أحرص الناس على التحدث بفضل ربه، وأسرع الناس إلى عبادته وشكره، وكلما قال له أحد من خاصته: لم تجهد نفسك في العبادة، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فيجيب قائلا: «أفلا أكون عبدا شكورا» ؟.

وقد أشار القرآن إلى أن التحدث بالنعمة وشكرها من فضائل الأنبياء، فقال في سورة النمل على لسان سليمان:

«رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ

فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ» (1) .

أي ألهمني أن أشكر نعمتك التي مننت بها عليّ وعلى والديّ، وأن أعمل عملا تحبه وترضاه، وإذا توفيتني فألحقني بالصالحين من عبادك، والرفيق الأعلى من أوليائك.

وفي الجزء الأول من كتابي «أخلاق القرآن (2) » تحدثت عن فضيلة الشكر، خلال عشر صفحات، ومن هذا الحديث ندرك عمق الصلة بين فضيلة الشكر وفضيلة التحدث بنعمة الله، لأن الشكر هو تصور النعمة واظهارها، وضده الكفر، وهو نسيان النعمة وسترها، بل توسع بعضهم في تصوير الشكر فوصفه بأنه مقابلة النعمة بالفعل والقول والنية فيثني على النعم بلسانه، ويذيب نفسه في طاعته، ويعتقد أنه موليها.

ويروي أبو نضرة قوله: كان المسلمون يرون أن من شكر النعم التحدث بها.

ومن جميل صنع الله بنا أنه جعل شكرنا للناس على معروفهم داخلا ضمنا في شكر الله تعالى، فروى الترمذي وأبو داود قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لا يشكر الله من لا يشكر الناس» .

وروى أبو داود الحديث التالي: «من أبلى بلاء فذكره فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره» .

وروى أيضا: «من أعطي عطاء فوجد فليجز به، فإن لم يجد فليثن به، فمن أثنى به فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره» .

(1) سورة النمل، الآية 19.

(2) كتابي «أخلاق القرآن» ج 1 ص 112 - 121. نشر دار الرائد العربي، سنة 1971.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت