فهرس الكتاب

الصفحة 1192 من 1257

ويذهب تفسير «في ظلال القرآن» إلى أن الله تبارك وتعالى في ظل هذه اللمسات القصيرة العبارة الهادئة المدى في أجواز الفضاء، وفي آماد الأرض، وفي أعماق الخلائق، يهتف بالبشر ليفروا إلى خالق السماء والأرض والخلائق، متجردين من كل ما يثقل أرواحهم ويقيدها، موحدين الله الذي خلق هذا الكون وحده بلا شريك: «ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين، ولا تجعلوا مع الله الها آخر إني لكم منه نذير مبين» .

والتعبير بلفظ الفرار - كما يذكر التفسير - عجيب حقا، وهو يوحي بالاثقال والقيود والاغلال والارهاق، التي تشد النفس البشرية إلى هذه الأرض، وتثقلها عن الانطلاق، وتحاصرها وتأسرها وتدعها في عقال، وبخاصة أوهاق الرزق والحرص والانشغال بالأسباب الظاهرة للنصيب الموعود، ومن ثم يجيء الهتاف قويا للانطلاق والتملص والفرار إلى الله من هذه الاثقال والقيود ... الفرار إلى الله وحده منزها عن كل شريك، وتذكير الناس بانقطاع الحجة وسقوط العذر «اني لكم منه نذير مبين» ... وتكرار هذا التنبيه في آيتين متجاورتين زيادة في التنبيه والتحذير.

ويرى القشيري ان معنى الفرار إلى الله هو الرجوع إلى الله، لأن الإنسان بإحدى حالتين، اما حالة رغبة في شيء، أو حال رهبة من شيء، أو حال رجاء أو حال خوف، أو حال جلب نفع أو دفع ضر، وفي الحالتين ينبغي أن يكون فرار الإنسان إلى الله تعالى، فإن النافع الضار هو الله جل جلاله.

ويقال: من صح فراره إلى الله صح قراره مع الله. ويقال: يجب على العبد أن يفر من الجهل إلى العلم، ومن الهوى إلى التقى، ومن الشك إلى اليقين، ومن الشيطان إلى الله.

وقد وردت مادة الفرار أيضا في سورة الشعراء في قوله تعالى على لسان موسى عليه السلام:

«فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ» (1) .

أي ففررت منكم معشر الملأ من قوم فرعون لما خفت ان تقتلوني بقتل

(1) سورة الشعراء، الآية 21.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت