فهرس الكتاب
ملكهم الكافر، فما هو إلا أن وجدوا حقيقة الإيمان والتوفيق، وذاقوا حلاوته، وباشر قلوبهم، فقاموا من بين قومهم وقالوا: ربنا رب السماوات والأرض، لن ندعو من دونه الها، لقد قلنا اذن شططا، والربط على قلوبهم يتضمن الشد عليها بالصبر والتثبيت، وتقويتها بنور الإيمان.
والعبد المؤمن سائر إلى الله، لا ينقطع سلوكه إليه ما دام على قيد الحياة، وهو لا يصل ما دام حيا إلى الله وصولا يستغني به عن السير إليه البتة، بل يشتد سيره إلى الله كلما زادت ملاحظته لتوحيده واسمائه وصفاته جل جلاله، ولهذا كان سيدنا رسول الله عليه الصلاة والسّلام أعظم الخلق اجتهادا وقياما بالاعمال، ومحافظة عليها إلى أن توفاه الله تعالى، وهو أعظم ما كان اجتهادا وقياما بوظائف العبودية، فلو أن العبد أتى بأعمال الثقلين جميعها لم تفارقه حقيقة السير إلى الله، وكان على الدوام في طريق الطلب والإرادة.
ومن السالكين - كما يذكر ابن القيم - من يكون سيره ببدنه وجوارحه أغلب عليه من سيره بقلبه وروحه، ومنهم من يكون سيره بقلبه أغلب عليه، ومنهم من يعطي كل مرتبة حقها، فيسير إلى الله ببدنه وجوارحه، وقلبه وروحه، وهؤلاء هم الاقوياء الكاملون. وقد أخبر الله سبحانه عن صفوة أوليائه بأنهم دائما في مقام الإرادة له، فقال تعالى:
«وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ» (1) .
وقال تعالى:
«وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ
(1) سورة الأنعام، الآية 52.