والمراد من قصصهم قصة يوسف عليه السلام وإخوته وأبيه؛ ومن الناس من قال: المراد قصص الرسل، لأنه تقدّم في القرآن ذكر قصص سائر الرسل: إلا أن الأولى أن يكون المراد قصة يوسف عليه السلام. فإن قيل: لم قال عبرة لأولي الألباب، مع أن قوم محمد صلى الله عليه وسلم كانوا ذوي عقول وأحلام، وقد كان الكثير منهم يعتبر بذلك؟ قلنا: إن جميعهم كانوا متمكنين من الاعتبار. والمراد من وصف هذه القصة بكونها عبرة كونها بحيث يمكن أن يعتبر بها العاقل. أو نقول: المراد من أولي الألباب الذين اعتبروا وتفكروا وتأملوا فيها، وانتفعوا بمعرفتها، لأن أولي الألباب لفظ يدل على المدح والثناء، فلا يليق إلا بما ذكرنا».
ونحن نفهم من هذا البيان أن فضيلة الاعتبار بالوقائع والأحداث والأخبار الماضية أو اللاحقة إنما هي من نصيب العقلاء الفضلاء الذين ينظرون ويتفكرون ويتدبرون، فتتأثر قلوبهم وألبابهم بما علموا أو شاهدوا، وتستجيب ارواحهم لدواعي الخير والبر، وتنصرف نفوسهم عن وساوس الشر ودواعي الإثم.
ونفهم أيضا أن خير ما يبث اضواء الاعتبار في صدر الإنسان العاقل هو ما قصه القرآن المجيد من قصص وانباء، فخير الحديث كتاب الله جل وعلا، ومن أصدق من الله حديثا.
ونفهم كذلك أن من يمر على العظة أو العبرة، دون أن يدركها أو يتأثر بها
او يعتبر عندها، يكون كمن فقد العقل، أو فقد البصر، ويكون قد تبلد شعوره وإحساسه، وتجمد تفكيره وإدراكه، اولئك كالأنعام بل هم اضل، ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور.
ويقبل النيسابوري ليحدثنا ايضا عن آية سورة يوسف السالفة الذكر، فيذكر ان العبرة نوع من الاعتبار، وهي العبور من الطرف المعلوم إلى الطرف المجهول، ووجه الاعتبار على العموم ان يعلم الإنسان أنه لا خير إلا في العمل الصالح، والتزود بزاد التقوى، فإن الملوك الذين عمروا البلاد، وقهروا العباد، ثم لم يراعوا حقّ الله في شيء من ذلك، ماتوا وانقرضوا، وبقي الوزر والوبال عليهم، والذي قدر على إعزاز يوسف بعد إلقائه في الجب، وإعلاء شأنه بعد سجنه، واجتماعه بأهله بعد غربته، قادر على نصر محمد وإعلاء كلمته.