ولقد حدثنا ربنا جل جلاله بأن وظيفة القرآن الكريم في الوجود هي إحياء التذكر في النفوس حتى تعقل وتؤمن وتعمل وتستقيم وتلتزم الخير وتجتنب الشر فقال في سورة ص: (كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ) . وقال في سورة الأنعام: (وَهذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ) . وقال في سورة الإسراء: (وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا) . وقال في سورة طه: (وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا) . وقال في سورة الدخان: (فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) . وقال في سورة طه: (طه، ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى، إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى) . وقال في سورة الحاقة: (وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ) . والتذكرة هي ما يتذكر به الإنسان الشيء المنسيّ، أو يستديم به تذكر الشيء المذكور المستحق لدوام تذكره، فيكون من المتجملين بفضيلة التذكر، ويكون قد استجاب لنداء الحق المكرر في سورة القمر: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ، فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) .
والقرآن المجيد يحدثنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن وظيفته هي التذكير المحقق للتذكر عند كل مستجيب مؤمن، فيقول الله جل جلاله لرسوله في سورة الطور: (فَذَكِّرْ فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ) ، ويقول في سورة الغاشية: (فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ) .
ولقد حض القرآن الكريم على فضيلة التذكر، وأمر بها، وندب إليها، ورغّب فيها، فجاء في سورتي الأنعام والسجدة قوله: (أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ) وجاء قوله: (أَفَلا تَذَكَّرُونَ) سبع مرات، وجاء قوله: (لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) ست مرات، وجاء قوله: (لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) الخ. ويتنقل القرآن إلى أسلوب آخر من أساليب الحث على التذكر والدعوة إليه، ولفت البصائر لشأنه، فيقول: (كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ، فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ) .