وكتاب الله الحكيم يرشدنا إلى أن التذكر القويم يحتاج إلى فهم ووعي وتبصر، حتى ينتفع الإنسان بالتذكرة ويستجيب لها على وجه سليم، ولذلك يقول القرآن ضمن صفات عباد الرحمن المذكورة في سورة الفرقان: (وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْيانًا) والمعنى كما يقول المفسرون أنهم لم يقيموا عليها غير واعين لها، ولا متبصرين بما فيها، كمن لا يسمع ولا يبصر بل أكبوا عليها سامعين بآذان واعية، مبصرين بعيون واعية، فالمراد من النفي هنا نفي الحال لا نفي الفعل.
ولذلك كان من شأن أهل التذكر البصير أن يسارعوا إلى مواطن العبادة والطاعة. حينما تنفحهم نفحات الذكرى والتذكرة، كما يقول الحق في سورة السجدة: (إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّدًا، وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ، وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ، تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا، وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ، فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ، أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كانَ فاسِقًا لا يَسْتَوُونَ) .
وأهل التذكر والذكرى ليسوا كل من هبّ ودب، بل هم خواص لهم صفات إذا تحلوا بها جاءتهم الذكرى على وجهها فنفعت وأفادت، ومن هذه الصفات أن يكونوا أصحاب عقل خالص من الشوائب. ولذلك كرر القرآن قوله: (إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ) وأن يكونوا أهل استجابة بقلوبهم وأسماعهم، ولذلك يقول القرآن في سورة ق: (إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ) ، وأن يكونوا من أهل الإنابة، وهي الرجوع إلى الله بالتوبة
وإخلاص العمل، ولذلك قال كتاب الله تعالى في سورة غافر: (وَما يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ) وقال في سورة الشورى: (اللهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ) . وقال في سورة ق: (تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ) .