فهرس الكتاب

الصفحة 146 من 1257

ومعنى هذا أن الذي تتحقق له فضيلة «العبودية» يكون دائما مع الله، ساعيا في سبيل الله، خادما لعباد الله، مظهرا السكينة والتذلل لجلال الله، نائيا عن الفساد والإفساد في أرض الله، مسخرا كلّ طاقاته في العمل بطاعة الله، ففيه عبودية اللسان الذي ينطق بذكر الله، ويرتل كلام الله، ويتعود الكلمة الطيبة، فيدعو إلى الخير، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، وفيه عبودية السمع، فيصغي إلى ما يجب استماعه من توجيه أو نصح أو إرشاد، وهو يتذكر قول ربه عز من قائل: (وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) ، وقوله عن خيار عباده: (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ) ، وفيه عبودية النظر، فلا ينظر إلا ما يحسن به النظر إليه، وهو لا ينسى قول خالقه: (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا) .

والعبودية حين تتحقق لصاحبها على حقيقتها ووجهها السليم الكريم تجعله من حزب الأتقياء الأوفياء المسارعين إلى المغفرة والطاعة، والذين يصفهم الإمام علي في «نهج البلاغة» فيقول عنهم فيما يقول:

«قلوبهم محزونة، وشرورهم مأمونة، وأجسادهم نحيفة، وحاجاتهم خفيفة وأنفسهم عفيفة، صبروا أياما قصيرة أعقبتهم راحة طويلة، تجارة مربحة يسّرها لهم ربهم. أرادتهم الدنيا فلم يريدوها، وأسرتهم ففدوا أنفسهم منها، أما الليل فصافّون أقدامهم، تالين لأجزاء القرآن، يرتلونه ترتيلا، يحزنون به أنفسهم، ويستثيرون دواء دائهم.

فإذا مروا بآية فيها تشويق ركنوا إليها طمعا، وتطلعت نفوسهم إليها شوقا، وظنوا أنها نصب أعينهم. وإذا مروا بآية فيها تخويف أصغوا إليها مسامع قلوبهم، وظنوا أن زفير جهنم وشهيقها في أصول آذانهم، فهم حانون على أوساطهم، مفترشون لجباههم وأكفهم وركبهم وأطراف أقدامهم، يطّلبون إلى الله تعالى في فكاك رقابهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت