وأما النهار فحلماء علماء، أبرار أتقياء، قد براهم الخوف بري القداح (السهام) ، ينظر إليهم الناظر فيحسبهم مرضى، وما بالقوم من مرض، ويقول قد خولطوا (جنّوا) ولقد خالطهم أمر عظيم. لا يرضون من أعمالهم القليل، ولا يستكثرون الكثير، فهم لأنفسهم متهمون، ومن أعمالهم مشفقون، إذا زكّي أحدهم خاف مما يقال له، فيقول: أنا أعلم بنفسي من غيري، وربي أعلم بي مني بنفسي، اللهم لا تؤاخذني بما يقولون، واجعلني أفضل مما يظنون، واغفر لي ما لا يعلمون» الخ.
ثم يأتي حديث الصوفية عن فضيلة «العبودية» ، فإذا هو حديث الذين يريدون أن نفهم عنهم أن العبودية ليست مجرد القيام بالشعائر والعبادات، ولا مجرد الترديد للأوراد والأحزاب، ولا مجرد الظهور بالخشوع والهدوء، وإنما
العبودية في فهمهم إيمان عميق، وفهم دقيق، وارتباط بالله وثيق، ووفاء لا يخالطه ضعف، وإسلام لله لا يخالطه إعراض، وإزهاق للنزوات والرغبات، مع إحياء للاجتهاد في القربات والطاعات، ولذلك يقول أبو العباس السياري الصوفي: «العبودية معرفة المعبود، والقيام بالعهود» . ويقول الحارث المحاسبي: «صفة العبودية ألا ترى لنفسك ملكا، وتعلم أنك لا تملك لنفسك ضرا ولا نفعا» .
ولقد سئل أبو حفص النيسابوري عن العبودية، فقال: «ترك الذي لك، والتزام ما أمرت به» . ويقول أحمد بن خضرويه البلخي: «في الحرية تمام العبودية، وفي تحقيق العبودية تمام الحرية» . وهذه العبارة تذكر في بيتين للمرحوم عبد الوهاب عزام - وكان صاحب ذوق صوفي - يقول فيهما:
قيّد الحرّ نفسه بهداه ... وأبى في الحياة قيد سواه
وترى العبد راضيا كلّ قيد ... غير تقييد نفسه عن هواه
ويقول محمد بن علي الترمذي: «من جهل أوصاف العبودية فهو بنعوت الربوبية أجهل» . ثم يقبل علينا أبو عبد الله محمد بن إسماعيل المغربي، الذي كان أستاذا للخواص وإبراهيم بن شيبان، والذي مات سنة تسع وتسعين ومائتين. يقبل علينا أبو عبد الله ليحدثنا عن العبودية في فهمه حديثا فيه دقة وعمق، فيقول: «من ادعى العبودية وله مراد باق فيه فهو كاذب في دعواه، إنما تصح العبودية لمن أفنى مراداته، وقام بمراد سيده، يكون اسمه ما سمّي به، ونعته ما حلّي به، إذا سمّي باسم أجاب عن العبودية، فلا اسم له ولا وسم، لا يجيب إلا لمن يدعوه بعبودية سيده» .
يقول أبو عبد الله هذا، ثم يبكي ويقول: