وليس المراد من خوف الإنسان لله تعالى ما يخطر بالبال من الرعب، كاستشعار الخوف من الأسد مثلا، بل يراد به - كما قال الأصفهاني - الكف عن المعاصي واختيار الطاعات، ولذلك صدقوا حين قالوا. لا يعدّ خائفا من لم يكن للذنوب تاركا. كما أن الخوف من الله ليس شكلا خارجيا يتمثل في صيحة أو أنّة أو رنّة، فليس الخائف من يبكي ويمسح عينيه، بل من يترك ما يخاف أن
يعاقب عليه، وقد قيل لذي النون: متى يكون العبد خائفا؟. فقال: إذا نزّل نفسه منزلة السقيم الذي يحتمي مخافة طول السقام.
والخوف من الله ليس هربا منه، أو إعراضا عنه، بل هو قوة احساس بعظمته وهيبته، وجلاله وحقّه، وقوة عزيمة في الإقبال عليه، ليكون الإنسان أهلا لقبوله ومرضاته، فإذا صدقت في خوفك من الله زدت لجوءا إليه واعتصاما بحبله، وذلك بخلاف خوفك من غيره، فالإنسان إذا خاف شيئا آخر غير الله بعد عنه وهرب منه.
والصادق في خوفه من الله يبذل غاية جهده في التحرر من المعصية، وفي القيام بالطاعات والقربات، ومع ذلك يخاف ألّا يبلغ بجهده وعمله مرتبة المقبولين الذين يقول الله تعالى فيهم: (رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ) ولقد جاء في السنة المطهرة أن السيدة عائشة رضي الله عنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ) فقالت: يا رسول الله، قول الله: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ) أهو الذي يزني ويشرب الخمر ويسرق؟. قال: لا يا ابنة الصدّيق ولكنه الرجل يصوم ويصلي ويتصدق، ويخاف أن لا يقبل منه.
وقد قال الحسن في شأن هؤلاء: عملوا والله بالطاعات، واجتهدوا فيها، وخافوا أن تردّ عليهم، إن المؤمن جمع إحسانا وخشية، والمنافق جمع إساءة وأمنا.
والدواعي التي تدعو الإنسان إلى استشعار الخوف من الله جلّ جلاله كثيرة، وقد أحصى حجة الإسلام الغزالي مجموعة منها، فذكر أن هناك مكروهات كثيرة يخافها الناس، كالذين يغلب عليهم خوف الموت قبل التوبة، أو خوف نقض التوبة بعد القيام بها، ونكث العهد بعد