فهرس الكتاب

الصفحة 154 من 1257

كما أن صدق الخوف في نفس المؤمن يجعله مالكا لمفتاح السعادة الأبدية التي ليس بعدها سعادة، وهي الفوز برضى الله تعالى ونعيمه في دار الخلود، ولقد كان حجة الإسلام بارعا حين صّور ذلك بعبارة بليغة مترابطة الأجزاء متوالية الخطوات على هذا النحو: «لا سعادة للعبد إلا في لقاء مولاه والقرب منه، فكل ما أعان عليه فله فضيلة، وفضيلته بقدر غايته، وقد ظهر أنه لا وصول إلى سعادة لقاء الله في الآخرة إلا بتحصيل محبته، والأنس به في الدنيا، ولا تحصل المحبة إلا بالمعرفة، ولا تحصل المعرفة إلا بدوام الفكر، ولا يحصل الأنس إلا بالمحبة ودوام الذكر، ولا تتيسر المواظبة على الذكر والفكر إلا بانقطاع حب الدنيا من القلب، ولا ينقطع ذلك إلا بترك لذات الدنيا وشهواتها، ولا يمكن ترك المشتهيات إلا بقمع الشهوات، ولا تنقمع الشهوة بشيء كما تنقمع بنار الخوف» .

وإذا وأصلنا قراءاتنا في كتب السلف فيما يتصل بالخوف وجدنا جملة ألفاظ متقاربة، وإن لم تكن مترادفة، ومنها: الخوف، والخشية، والرهبة، والوجل، والهيبة، وقد قالوا في التفرقة الدقيقة بينها إن الخوف هرب من حلول المكروه عند استشعاره، وهو لعامة المؤمنين، وصاحبه يلتجئ إلى الهرب والامساك. والخشية أخص من الخوف، وهي للعلماء العارفين بالله، المشار إليهم بقوله تعالى: (إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ) ، وصاحب الخشية يلتجئ إلى الاعتصام بالله، وعلى قدر العلم تكون الخشية، ولذلك قال سيدنا رسول الله عليه الصلاة والسّلام «إني لأعلمكم بالله وأشدّكم له خشية» .

وقد فرقوا بين الخوف والخشية، فقالوا إن الخوف خشية سببها ذلّ الخاشي، وإن الخشية خوف سببه عظمة المخشيّ، ولذلك كان العلماء بالله أكثر خشية، لأنهم عرفوا عظمة الله فخافوه، لا لذل منهم، بل لعظمة جانب الله. والعبد إذا نظر إلى نفسه وجدها في غاية الضعف، فيشعر بالخوف، وإذا نظر إلى حضرة الله تعالى رآها في غاية العظمة فيشعر بالخشية، ودرجة الخشية

فوق درجة الخوف، وإن قربت منها واتصلت بها.

وأما الرهبة فهي الإمعان في الهروب من المكروه، ولذلك قيل إن الرهب والهرب بينهما تناسب في اللفظ والمعنى، وتناسب اللفظ يأتي من ناحية الاشتقاق الأكبر، وكل لفظين شملهما هذا الاشتقاق يكون بينهما اشتراك في المعنى العام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت