فهرس الكتاب

الصفحة 155 من 1257

وأما الوجل فهو رجفان القلب وانصداعه لذكر من يخاف سلطانه وعقوبته، والهيبة خوف يقارن التعظيم والإجلال، وأكثر ما يكون مع المحبة والمعرفة، لأن الإجلال تعظيم مقرون بالحب، ولذلك قالوا: الهيبة للمحبين والاجلال للمقربين.

والهيبة المقرونة بالحب تذكرنا بما جاء في حديث عمر رضي الله عنه، وهو قوله: «نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه» . أي أنه يطيع الله حبّا له لا خوفا من عقابه فقط، فلو لم يكن هناك عقاب يخافه ما عصى لله، ففي الكلام محذوف تقديره: لو لم يخف الله لم يعصه، فكيف وقد خافه؟.

والخوف صفة تحتاج إلى «الوسطية» أي التوسط والاعتدال، إذ لا يليق أن يقل الخوف عند الإنسان حتى يقرب من درجة الغلظة أو الاستخفاف، ولا يجوز أن يسرف فيه صاحبه حتى يقرب من اليأس أو القنوط، والله يقول في سورة الإسراء: (أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُورًا) . ويقول عن بعض أنبيائه في سورة الأنبياء: (إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ) . ويقول عن أخلاق القرآن (11)

المستقيم من عباده: (أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وَقائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ) . فالخائف ينبغي له ليستقيم على الصراط أن يوازن بين الخوف والرجاء.

وهذا يؤدي بنا إلى بحث أمر يتعلق بموضوعنا، ويدور حول السؤال التالي: أيجعل الإنسان الخوف أكثر أم يجعل الرجاء أكثر؟. ولقد قال السلف إنه ينبغي تغليب الخوف على الرجاء ما دام الإنسان يغدو ويروح في الدنيا، فإذا خرج منها حسن به تغليب الرجاء على الخوف عند ذلك.

وقال آخرون: ينبغي أن يكون الغالب على القلب هو الخوف، ويرى آخرون أن أكمل الأحوال هو اعتدال الرجاء والخوف، وللإمام ابن القيم عبارة جميلة في هذا المقام يقول فيها: «القلب في سيره إلى الله عز وجل بمنزلة الطائر، فالمحبة رأسه، والخوف والرجاء جناحاه، فمتى سلم الرأس والجناحان فالطائر جيد الطيران، ومتى قطع الرأس مات الطائر، ومتى فقد الجناحان فهو عرضة لكل صائد وكاسر» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت